كم كان مضحكا مبكيا ذلك الخبر الذي انتشر مطلع التسعينيات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، عند بدء رواج الجراحة التجميلية لغايات غير مبررة طبيا. الخبر -قل الأخبار- كان بمثابة حملة إعلانية مجانية -على حساب الأجاويد- الذين لم يروا في بعض الأخبار أنها في حقيقة الأمر محض دعاية.
ذلك الخبر أو تلك الحملة كانت عن تمويل عمليات الجراحة التجميلية بالتقسيط المملّ! جراحات تصغير الأنف مثلا أو نحته حتى يبدو «فرنسيا» لم تقف عند هذا الحد. سرعان ما تحولت «الموضة» إلى حقن بوتكس دورية لها مواعيدها الصارمة وحسبتها المالية، التي بادر وتعطّف وتكّرم لتمويلها بعض البنوك. سلف وقروض تم عرضها بفوائد تشجيعية مع إعفاء لثلاثة أشهر. شاعت الظاهرة وتفشت في بعض المجتمعات حتى صار من الصعب التفريق بين ملامح الناس الذي خضعوا لتلك العمليات التي لا يغطيها بطبيعة الحال التأمين، ولا حتى في الدول الاسكندنافية واليابان وسنغافورة!
غاب عن بال البعض أن الجراحة التجميلية الأهم هي إن جاز التعبير للسلوك. فقد ثبت علميا وعمليا، أنه بالإمكان عبر خبراء علم النفس -من أطباء ومعالجين «ثِرَبِستس»- بإمكانهم التخلص من التشوهات، وحتى الانحرافات السلوكية، عبر تعديل مسار، وإعادة توجيه آخر، وتفريغ طاقة سلبية ومفاهيم مغلوطة مشوهة، وإعادة شحن المستهدف بطاقات ومفاهيم إيجابية. عملية تجميل وتجويد للإنسان من الداخل، أشبه ما تكون بعملية الإصلاح وإعادة التأهيل، وهي التسمية المعتمدة للسجون والمحابس أو أماكن الاحتجاز، حتى لو كان «توقيفا» لبضع ساعات!
الهندسة الاجتماعية -كما الوراثية «الجينية»- ليست سينما خيال علمي. بالإمكان هندسة مجتمع بأسره لا مجرد جماعات بعينها أو أفراد مستهدفين. هنا يكمن دور القادة الحقيقيين الذين يتحملون أمام الله والضمير مسؤولية الخدمة، انطلاقا من المحبة الحقيقية والإحساس الصادق بالواجب، كما «فرض عين» – لا «فرض كفاية» كما تعلمنا في المدارس في مبحث التربية الإسلامية، ونستمع عبر مكبرات الصوت في خطب الجمعة.
تحدثنا أمس عن بدائل عملية للتعامل مع الإنجاز الحقيقي والفرح الحقيقي بعيدا عن الوهم والكِبَر، فذلك وعد رباني بتأديب المتكبّر المتجبّر. «الله لا يُشمخُ عليه»، كما في الكتاب المقدس.
لعل من بدائل عشاق «الطّخْطَخَة» في الهواء للتباهي الأجوف المكلف أرواحا، والمشيع رعبا و»إرهابا» بين الآمنين، لعل أهله يجدون في نادي الرماية الملكي العون والسند، والعلاج والإصلاح وإعادة التأهيل، قبل أن تفضي تلك الرعونة إلى القبر أو السجن، لا سمح الله. هناك في نادي الرماية حيث يتولاه -مطلق النار الأرعن الأهوج- سيتولاه باحتراف نخبة من المتقاعدين من نشامى الجيش والأمن. هناك سيدرك مطلق الأعيرة في الأعراس والأفراح أن السلاح شرف وأمانة، وليس لعبة ولا فُرجَة! سيدرك قيمة العيار الناري، الرصاص، والطلقة -أكانت في بيت النار، الأقسام أم المخزن.. سيعرف قواعد السلامة العامة وأصول حمل السلاح المرخّص واقتنائه واستخدامه، حتى لا يقتل نفسه أو أحد أفراد أسرته وقد حصلت تلك المأساة، مرارا وتكرارا. سيتعلم كيف يتم حفظ الذخيرة والسلاح في مكانين آمنين منفصلين.. سيفهم صيانة المسدس أو الرشاش والأهم صون شرف السلاح.. سيتم تدريسه وتربيته وتعليمه أن «الفرس من الفارس» و»الخيل من خيّالها» والبطولة في حامل السلاح لا السلاح. فيتم بذلك تحويل الأرعن إلى مقتني أو حامل سلاح مرخّص، يكون عدة لوطنه ولمجتمعه ولعشيرته ولأسرته. رخصة مشروطة موقوتة خاضعة للمراجعة الدائبة وإن كان التجديد سنويا أو لفترة محددة ينظر فيها صاحب القرار الأمني.
أما هواة القيادة السريعة، فهناك حل. لكن المشكلة الحقيقية هي ليست السرعة، بل الرعونة والعدائية لذلك لها في قوانين السير مخالفات أكثر حدة، تصل في بلاد العم سام إلى اعتباره ذلك السلوك جنحة وأحيانا جريمة، وليس مجرد مخالفة، وقد تجمع ما بين الغرامة المالية العالية جدا، وسحب الرخص، والسجن، وفي حال كان المدان -قضائيا- من المتقدمين للحصول على الإقامة الدائمة «غرين كارد» سيتطلب الأمر محاميا بكلف مالية باهظة، من المرجح أن تنتهي بالرفض والطرد والإبعاد والترحيل..
كانت تلك المسألة من القضايا الانتخابية البارزة في ولايات عدة عانت من حوادث السير والدهس والفرار من قبل مقيمين غير شرعيين وآخرين قانونيين. الأمر التنفيذي الذي وقعه ترمب مؤخرا حول اعتماد الإنجليزية اللغة الرسمية في أمريكا، كان لتلك الحوادث دور فيها، إذ تبيّن أن الحاجز اللغوي الذي كان الجهاز الفدرالي وحتى المحلي يتعامل معه من خلال توفير الترجمة المجانية، قد خلّف ويلات من ضمنها حوادث السير القاتلة، ناهيك عن العزلة الثقافية فالاجتماعية، بكل ما تحمله من أبعاد قانونية وسياسية كارثية.
لذلك تعاملت دوائر السير مع ظواهر قاتلة كرعونة القيادة وعدائيتها، وما يعرف بغضب الطريق «رود ريج»، على أنها قضايا سلوكية ينبغي التعامل معها في بيئة «مدرسة». انتشرت منذ عقود في الأردن الحبيب مدارس تعليم قيادة المركبات، لكن الجانب المتعلق بالمتابعة ما زال مقصرا كما تؤكد لنا حوادث السير، بشقيها المركبات والمشاة.
قد يلعب نادي السيارات الملكي دورا لا غنى عنه في هذه القضية الإنسانية الوطنية. بالإمكان توفير مسارات سريعة بعيدة عن التجمعات السكنية، على غرار سباق تل الرمان الشهير من حيث تعرج المسار الذي يتطلب مهارات احترافية عالية في القيادة تبدأ بالسائق نفسه قبل السيارة التي يستقلها لخوض السباق.
القضية المشتركة في السلوكين واحدة، التهور في قيادة المركبات أو استخدام السلاح. والحل أساسه واحد. إجراء جراحة تجميلية وهندسة سلوكية تصلح الحال وتعيد تأهيل أصحابه، قبل أن تتحول تلك الطاقة العدائية وذلك السلوك المتهور إلى ما هو أخطر من السيارة والسلاح، لا قدّر الله. وربنا يحمي شبابنا ويقدّرنا على خدمتهم، أبطالا متوجين في مسابقات السرعة والرماية الآمنة..
هندسة سلوكية.. جراحة تجميلية!* بشار جرار
10
المقالة السابقة
