عروبة الإخباري –
في وطنٍ ينمو على ضوء الإنجاز، هناك نساء لا يكتفين بالسير في الطريق، بل يصنعن الطريق ذاته. هنالك من يشعلن شمعة في الظلام، وهناك من يُضيء سهلًا وجبلًا.
الدكتورة اعتدال عطيوي، واحدة من أولئك اللواتي لا يُعرّفن إلا بما يتركنه من أثر.
هي فنانة، باحثة، أديبة، وعاشقة للتراث، اختارت أن تكون “صوتًا للأرض”، و”ذاكرةً ناطقةً بالحُبّ” لمدينتها وجذورها. تعددت وجوهها، لكن ظلّ القلبُ واحدًا: ينبض بحبّ الوطن.
حين يتكلم اللون بلغة الروح
في لوحاتها، لا ترى الألوان فحسب، بل تسمع الصدى… صدى جدة القديمة، صدى النساء وهنّ ينسجن السدو، صدى الأزقة في الفجر حين كان الأطفال يركضون خلف عربات الحلوى.
شاركت في عشرات المعارض داخل المملكة وخارجها – من كندا إلى البحرين، من الرياض إلى باريس – لكنها لم تكن ترسم لتُعرض لوحاتها، بل لترسم لتبقى الذاكرة.
رؤيتها الفنية تتجاوز الشكل، لتتعمق في المضمون، تتأمل الإنسان لا الجسد، تترجم النفس لا الملامح.
قالت ذات مرة: “الألوان لا تُبهرني بقدر ما يهمّني أن تلامس القلب.”
وهكذا فعلت.
التراث عندها ليس ماضيًا… بل روحًا حية
في زمن يخشى البعض فيه أن يُصنّف بـ”القديم”، اختارت اعتدال أن تكون ناطقة باسم التاريخ.
جمعت اللهجة الحجازية في قاموس دقيق وشامل، رصدت فيه الألفاظ، الأمثال، والمواقف، وكأنها تمسك بتلابيب الزمن حتى لا يفر.
وثّقت الألعاب الشعبية، ليس فقط كألعابٍ تُمارس، بل كثقافة تُمثّل بيئة، قيماً، وتقاليد.
نشرت دراسات موسوعية في الأمثال الشعبية**، لتمسك بحكمة الجدّات وتعيد إحياءها للأحفاد.
في كل عمل لها، تحضر جدة القديمة: الحارة، البحر، المجالس، الروائح، القلوب التي كانت تفتح بيوتها بلا أقفال.
امرأة تصوغ الذاكرة… وتكتب بصدقٍ نادر
كتبت في الصحف السعودية أكثر من ثلاثة عقود، وكانت زاويتها “رؤى” منبرًا إنسانيًا واجتماعيًا عميقًا.
لم تكتب من أجل الكتابة، بل كتبت لتفتح نافذة، لتطرح سؤالًا، لتوقظ ضميرًا.
سافرت في كلماتها بين قضايا المرأة، الهوية، التحولات الاجتماعية، والواقع الثقافي.
وفي كل حرف، كانت تعطي للقارئ شيئًا من نفسها: من تجربتها، من صدقها، من خُلقها.
بُعد أكاديمي… وعمق إنساني
درست علم الاجتماع ثم علم النفس، وها هي تواصل دراستها للدكتوراه – لا طلبًا للدرجة، بل بحثًا عن فهم أعمق للإنسان.
وفي كل عملٍ فنيٍّ أو أدبيٍّ لها، تحضر رؤيتها النفسية: الإنسان في هشاشته، في قوته، في بحثه عن معنى.
وما يميّزها أكثر، هو قدرتها على الجمع بين العلم والمعنى، بين الدقة الأكاديمية والحنين العاطفي.
اعتدال… الوجه الذي يمثل نساء الوطن بافتخار
لم تكن “وجهًا إعلاميًا” فقط، بل كانت تمثّل المرأة السعودية الفاعلة، الواعية، الأصيلة.
ألقت الكلمة أمام الملك – نيابة عن الفنانات التشكيليات – فكانت نبرة حضورها عنوانًا لعصرٍ جديد.
في مشاركاتها العالمية، لم تكن “فنانة سعودية” فقط، بل كانت “سفيرة هوية”، تنقل جدة بقلبها، وثقافتها بفرشاتها، وروحها بكلماتها.
اعتدال عطيوي… لأن الوطن يحتاج لمن يرويه
كل مجتمع يزدهر بالعلم، لكنه لا يبقى دون ذاكرة. والدكتورة اعتدال عطيوي هي إحدى تلك الأصوات التي تحفظ الحكاية، تكتبها، ترسمها، وتغرسها في الأجيال الجديدة.
هي من ذلك النوع من النساء الذي لا يُنسى، لأن حضورها يتجاوز الصورة… ويستقر في العمق.
إهداء أخير
إلى الدكتورة اعتدال،
شكرًا لأنك لا تكتبين بل “تُنبضين”، شكرًا لأنك لا ترسمين بل “تُضيئين”،
شكرًا لأنك جعلتِ من الفن رسالة، ومن التراث عهدًا، ومن الكتابة وطنًا ثانيًا.
