جوليان بورغر؛ وجمال الرشق* – (الغارديان)
في قضية الإسرائيليين المتهمين بالتجسس لصالح إيران، قدم الادعاء لوائح اتهام مفصلة. وعلى الرغم من صدور إدانة واحدة فقط حتى الآن في موجة الاعتقالات الأخيرة -ما يعني أن احتمال الإدانات الفردية ما يزال قائمًا- برزت صورة واضحة من وثائق المحكمة عن الكيفية التي اتبعتها إيران في إلقاء شباكها الواسعة لاصطياد عملاء محتملين.
* * *
قبل أن تشن إسرائيل حربها على إيران في الشهر الماضي، كشفت أجهزتها الأمنية عن وجود شبكة واسعة من مواطنيها الذين كانوا يتجسسون لصالح طهران -على نطاق فاجأ البلاد.
منذ أول وابل صواريخ إيراني أُطلق على إسرائيل في نيسان (أبريل) 2024، وُجهت تهم لأكثر من 30 إسرائيلياً بالتعاون مع الاستخبارات الإيرانية. وفي كثير من الحالات، بدأت الاتصالات برسائل مجهولة المصدر تعرض أموالًا مقابل معلومات أو أداء مهام صغيرة. ثم تزايدت المدفوعات تبعًا لتصاعد خطورة المطالب.
استنادًا إلى وثائق المحكمة الإسرائيلية، لم تحقق الطفرة في جهود التجسس الإيرانية خلال العام الماضي الكثير، حيث لم تنجح في تنفيذ عمليات اغتيال رفيعة المستوى لمسؤولين إسرائيليين، وهو ما كانت تطمح إليه طهران.
ومع ذلك، قد يجعل استعداد هذا العدد الكبير من الإسرائيليين لتنفيذ مهام بسيطة من حملة التجسس هذه ناجحة باعتبارها وسيلة للحصول على معلومات جماعية من الحشود حول مواقع استراتيجية مهمة أصبحت لاحقًا أهدافًا للصواريخ الباليستية الإيرانية.
في المقابل، تجسست إسرائيل على إيران بفعالية مدمّرة، حيث مكّنت عملياتها الموساد من تحديد أماكن -واغتيال- معظم قادة إيران العسكريين وعلمائها النوويين في لحظة واحدة في الساعات الأولى من فجر الجمعة 13 حزيران (يونيو)، بالإضافة إلى العديد من الأهداف الأخرى.
منذ بدء الحرب، اعتقل النظام الإيراني أكثر من 700 شخص بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، وفقًا لوكالة “فارس” للأنباء. لكن المحاكمات كانت سرية، وأدت في ما لا يقل عن ست حالات إلى إعدامات فورية، مما يجعل من المستحيل الحكم على مدى واقعية هذه الشبكة المزعومة، وكم منها مجرد وهم نابع من الهستيريا الرسمية.
في المقابل، في قضية الإسرائيليين المتهمين بالتجسس لصالح إيران، قدم الادعاء لوائح اتهام مفصلة. وعلى الرغم من صدور إدانة واحدة فقط حتى الآن في موجة الاعتقالات الأخيرة -ما يعني أن احتمال الإدانات الفردية ما يزال قائمًا- برزت صورة واضحة من وثائق المحكمة عن الكيفية التي اتبعتها إيران في إلقاء شباكها الواسعة لاصطياد عملاء محتملين.
غالبًا ما بدأت العملية برسالة نصية من مرسل مجهول. وكانت إحدى هذه الرسائل، القادمة من مرسل يُدعى “وكالة الأنباء”، تسأل: “هل لديك أي معلومات عن الحرب؟ نحن مستعدون لشرائها”. وثمة أخرى، مرسلة من طرف يُدعى “طهران-القدس”، إلى مواطن فلسطيني إسرائيلي، كانت أكثر صراحة، وقالت: “القدس الحرة توحد المسلمين. أرسل لنا معلومات عن الحرب”.
وتضمنت الرسالة رابطًا لتطبيق “تلغرام”، حيث يبدأ حوار جديد، أحيانًا مع شخص يستخدم اسمًا إسرائيليًا، وعرضًا ماليًا مقابل أداء مهام تبدو بسيطة. وإذا أبدى المتلقي اهتمامًا، تنصحه جهات الاتصال الغامضة الجديدة بإنشاء حساب على “بي.بال” PayPal وتطبيق آخر لتلقي الأموال بالعملات المشفرة.
في حالة أحد المشتبه بهم الذين اعتُقلوا في 29 أيلول (سبتمبر)، كانت المهمة الأولى هي التوجه إلى حديقة والتحقق مما إذا كانت هناك حقيبة سوداء مدفونة في مكان معين، مقابل ما يقرب من 1.000 دولار أميركي (730 جنيهًا إسترلينيًا). ولم تكن هناك حقيبة، وقام المجند بإرسال مقطع فيديو لإثبات ذلك.
ثم أُوكلت إليه لاحقًا مهام أخرى شملت توزيع منشورات، وتعليق لافتات، أو رش شعارات على الجدران، معظمها يحتوي على عبارات تهاجم بنيامين نتنياهو، مثل “كلنا معًا ضد بيبي” (الاسم المستعار لنتنياهو)، أو “بيبي جلب ’حزب الله‘ إلى هنا”، أو “بيبي = هتلر”.
كانت المرحلة التالية تتضمن التقاط الصور. تم توظيف إسرائيلي من أصول أذرية لالتقاط صور لمنشآت حساسة في جميع أنحاء البلاد، ويبدو أنه حوّل الأمر إلى “مشروع عائلي”، حيث شارك أقاربُه في التقاط صور لمنشآت الميناء في حيفا (التي تعرضت لاحقًا للقصف الصاروخي الإيراني خلال حرب الأيام الاثني عشر في حزيران/ يونيو)، وقاعدة نيفاتيم الجوية في النقب (التي استُهدفت بوابل من الصواريخ في تشرين الأول/ أكتوبر)، بالإضافة إلى بطاريات القبة الحديدية في جميع أنحاء البلاد، ومقر استخبارات الجيش في غليلوت شمال تل أبيب. وطلب من المجند نفسه الذي ذهب للبحث عن الحقيبة السوداء تصوير منزل عالم نووي يعمل في “معهد وايزمان”.
كان هذا المركز العلمي الرائد في إسرائيل موضع اهتمام إيراني بالغا. وعلى مدى الأعوام الخمسة عشر التي سبقت الحرب الأخيرة، قُتل خمسة علماء نوويين إيرانيين، ويُعتقد على نطاق واسع أن الموساد هو الذي قام بتصفيتهم. وفي الصراع الطويل حول ما إذا كانت إسرائيل ستحافظ على احتكارها للأسلحة النووية في الشرق الأوسط، أرادت طهران أن تردّ.
قصفت إيران “معهد وايزمان” بصواريخ باليستية خلال حرب الأيام الاثني عشر، ويبدو أن الصور التي التقطها عملاؤها ساعدت في تحديد أماكن الأهداف. لكن محاولة قتل العلماء الإسرائيليين باءت بالفشل. في الواقع، لا يبدو أن وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، ولا الحرس الثوري، قد نجحا في اغتيال أي من أهدافهم في هذه الحرب الخفية الممتدة.
في حين اعتمد جهاز الموساد الإسرائيلي على زرع مجموعة من العملاء المدربين تدريبًا عاليًا داخل إيران، كان النهج الذي اتبعته الاستخبارات الإيرانية هو اختبار مدى استعداد المجندين المبتدئين للمضي قدمًا. ونقل يوسي ميلمان، خبير الشؤون الاستخباراتية في إسرائيل، عن مسؤول في “الشاباك” وصفه لهذه الاستراتيجية بأنها نهج “الرشّ والدعاء” spray-and-pray، الذي يسعى إلى تطوير عدد قليل من العملاء ذوي الجودة العالية من خلال استثمارات منخفضة الخطورة في عدد كبير من الأشخاص.
بعد تنفيذهم مهام بسيطة مثل تعليق اللافتات والتقاط الصور، طُلب من المجندين القيام بالمزيد من الأعمال مقابل المزيد من المال. على سبيل المثال، بعد قيام أحدهم بالتقاط صور لمنزل عالم نووي في “معهد وايزمان”، عُرض عليه مبلغ 60.000 دولار لقتل العالم وعائلته وإحراق منزلهم. ووفقًا للائحة الاتهام، قبل العميل العرض وشرع في توظيف أربعة رجال قساة، جميعهم من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل. وفي ليلة 15 أيلول (سبتمبر)، وصل فريق الاغتيال المزعوم إلى بوابات “معهد وايزمان”، لكنهم لم يتمكنوا من تجاوز الحارس الأمني، فاستداروا بهدوء وغادروا.
في اليوم التالي لذلك الفشل الذريع، طلب المسؤولون الإيرانيون من المجند العودة إلى “معهد وايزمان” والتقاط مزيد من الصور. وبفضل كونه يهوديًا إسرائيليًا قادمًا في وضح النهار، تمكن من التحدث مع الحراس وتجاوزهم، وصوّر سيارة العالم. وتم دفع مبلغ 709 دولارات له، وسُئل عمّا إذا كان سيوافق على تركيب جهاز تتبع “جي. بي. إس” في السيارة. لكنه رفض.
كان هذا النمط يتكرر مرة تلو الأخرى في لوائح الاتهام. وعلى الرغم من أن المجنِّدين الإيرانيين أثبتوا فعاليتهم في العثور على عدد كبير من الإسرائيليين المستعدين لالتقاط الصور وتوزيع المنشورات مقابل المال، إلا أن القائمين على العملية في طهران بدوا متسرعين للغاية عندما يتعلق الأمر بتطوير عملاء على المدى الطويل.
سُئل عدة مجندين فجأة، بعد أيام فقط من إنجاز أولى مهامهم، عما إذا كانوا مستعدين لمحاولة اغتيال مسؤولين رفيعي المستوى. وطُلب من المجموعة الأذرية العثور على قاتل محترف مأجور، لكنهم رفضوا. وسُئل المجند نفسه الذي رفض تركيب جهاز التعقب على سيارة العالم النووي عما إذا كان يمكنه التفكير في إلقاء زجاجة حارقة على مركبة نتنياهو.
حتى الآن، أُدين مشتبه به واحد فقط وتم الحكم عليه بالسجن، بعد اعترافه بالتهم الموجهة إليه.
* * *
طلب بمليون دولار
عندما تقربت الاستخبارات الإيرانية من مردخاي “موتي” مامان، البالغ من العمر 72 عامًا، في ربيع العام الماضي، كان قد تزوّج مؤخرًا من امرأة بيلاروسية أصغر منه بكثير، وكان في حاجة ماسة إلى المال بعد فشل عدة مشاريع تجارية كان قد أنشأنها.
كان مامان قد أمضى عدة سنوات في سامنداغ في جنوب تركيا، وفي نيسان (أبريل)، تواصل مع شقيقين من رجال الأعمال يعرفهما هناك ليسأل عما إذا كانت لديهما أفكار لمشاريع تجارية مربحة. قال الشقيقان إن لديهما شراكة تجارية مربحة مع شخص إيراني يُدعى “إيدي” يعمل في مجال استيراد الفواكه المجففة والتوابل، واقترحا على مامان أن يلتقي به.
في نيسان (أبريل)، طار مامان إلى سامنداغ عبر قبرص، لكن “إيدي” أرسل رجلين من زملائه بدلاً منه، زاعمًا أنه غير قادر على مغادرة إيران لأسباب بيروقراطية. وفي الشهر التالي، دُعي الإسرائيلي للعودة إلى تركيا، إلى بلدة يوكسكوفا في أقصى الجنوب الشرقي، حيث أقام في فندق دفع “إيدي” تكاليفه.
مرة أخرى، قال “إيدي” إنه غير قادر على عبور الحدود إلى تركيا، لكنه أخبر مامان أن هناك طريقة لتهريبه إلى داخل إيران. ووافق مامان. وفي 5 أيار (مايو)، عبر الحدود مختبئًا داخل شاحنة.
التقى “إيدي” ومسؤول إيراني ثانٍ بـ”مامان” في فندق فاخر داخل إيران وقدما له عرضًا يتضمن منحه آلاف الدولارات مقابل تنفيذ ثلاث مهام.
كان عليه أن يترك أموالًا أو أسلحة في مواقع محددة داخل إسرائيل؛ وأن يلتقط صورًا لأماكن مكتظة بالناس؛ وأن ينقل تهديدات إلى عملاء آخرين، وبشكل خاص إلى فلسطينيين إسرائيليين “تلقوا أموالًا من إيران لتنفيذ مهام عدائية، لكنهم لم ينفذوها فعليًا”.
قال “مامان” إنه سيفكر في الأمر، وتم تهريبه مجددًا إلى تركيا. وفي “يوكسكوفا”، تم تسليمه مبلغ 1.300 دولار نقدًا كدفعة جزئية مقابل الرحلة.
في آب (أغسطس)، عاد مامان إلى تركيا، وتم تهريبه مرة أخرى عبر الحدود للقاء “إيدي” وشريكه. وكانت المهام هذه المرة أكثر جرأة. عرض الإيرانيون مبلغ 150.000 دولار مقابل اغتيال واحد من هؤلاء الثلاثة: بنيامين نتنياهو؛ رونين بار (رئيس الشاباك)؛ أو يوآف غالانت، الذي كان ما يزال في ذلك الحين وزير الدفاع.
ووفقًا للادعاء، قال مامان إنه يمتلك علاقات في عالم الإجرام قد تساعد في إنجاز المهمة، لكنه طلب مبلغ مليون دولار.
كان هذا المبلغ كبيرًا جدًا بالنسبة للإيرانيين، فاقترحوا هدفًا أقل شأنًا: رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، مقابل 400.000 دولار. ولكن، يُزعم أن مامان تمسك بمطلبه البالغ مليون دولار، فتوقفت المحادثات من دون التوصل إلى اتفاق.
تم دفع مبلغ 5.000 دولار له، وسافر إلى قبرص، ثم في 29 آب (أغسطس) عاد إلى تل أبيب، حيث كان ضباط الشاباك في انتظاره.
في 29 نيسان (أبريل)، صدر الحكم على مامان بالسجن لمدة عشر سنوات بعد أن أقرّ بالذنب بتهم الاتصال بعميل أجنبي والدخول غير المصرح به إلى دولة معادية. ووصف محاميه، إيال بيسرغليك، الحكم بأنه مفرط في القسوة وقدّم استئنافًا.
قال بيسرغليك إن مامان كان يعتقد حتى اللحظة الأخيرة بأن “إيدي” ليس أكثر من رجل أعمال إيراني يعمل في مجال الزبيب والتوابل، ولم يكن يعلم، حين تم تهريبه في داخل شاحنة، أنه في طريقه إلى داخل إيران.
وينفي المحامي أن مامان طلب مبلغ مليون دولار، مجادلًا بأن موكله اضطر في نهاية المطاف إلى أن يتظاهر بالموافقة على المخططات الإيرانية خوفًا من أن يؤدي الرفض المفاجئ إلى قتله.
وقال بيسرغليك لصحيفة الغارديان: “ما الأفضل؟ أن يتم اختطافه في شاحنة صغيرة أو احتمال أن يُقتل؟”.
وأضاف أن مامان تعرض للضرب في السجن، واحتُجز في زنزانة قذرة ملوثة بالبراز على الجدران.
وقال المحامي: “الخطأ الذي ارتكبه خطير، ولكن لا ينبغي أن يموت بسبب هذا الخطأ، لأنه في النهاية لن يتبقى أحد ليُعاقب”.
*ساهمت بيان ربيع في إعداد هذا التقرير.
*جوليان بورغر Julian Borger: كبير المراسلين الدوليين لصحيفة “الغارديان” ويعمل من لندن. كان سابقا مراسلا في الولايات المتحدة والشرق الأوسط وأوروبا الشرقية والبلقان. وهو مؤلف كتابين: “أبحث عن شخص لطيف” I Seek a Kind Person؛ و”درب الجزار” The Butcher’s Trail.
*جمال الرشق Jamal Risheq: صحفي فلسطيني مقيم في القدس.
