في الثالث من مايو تحل الذكرى الثمانون لانعقاد المحكمة العسكرية الدولية المعروفة باسم محاكمات طوكيو وهي محطة تأسيسية في تاريخ العدالة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية حيث سعت الدول إلى محاسبة مجرمي الحرب وترسيخ مبدأ أن الجرائم الكبرى لا تسقط بالتقادم وفي اليوم نفسه يحتفل العالم أيضا باليوم العالمي لحرية الصحافة في تزامن رمزي بين العدالة والحقيقة بين المحكمة والذاكرة
وكما تعيد الكاتبة الصينية ريماس قراءة هذه المحاكمة فإنها لا تراها حدثا من الماضي انتهى بل بداية لسؤال مفتوح لم يحسم بعد حول طبيعة العدالة الدولية وحدودها فالمحاكمة التي أصدرت أحكاما بالإدانة على قادة عسكريين وسياسيين واعدمت أربعة قادة يابانيين تركت في الوقت نفسه شخصيات كبرى خارج المساءلة وهو ما عكس منذ البداية أن العدالة لم تكن منفصلة تماما عن حسابات القوة والسياسة خصوصا بعد الحرب وصعود نفوذ الولايات المتحدة
من هذا التناقض التاريخي ينطلق مفهوم التجريف الذي يشير إلى إضعاف العدالة الدولية تدريجيا أو إفراغها من مضمونها عبر الانتقائية أو التعطيل أو غياب الإرادة السياسية وهو ما يجعل الفجوة بين المبادئ المعلنة والتطبيق الفعلي حقيقة متكررة في النظام الدولي
واليوم وبعد ثمانية عقود لا يحتاج العالم إلى العودة للأرشيف فقط ليرى هذا التناقض بل يكفي النظر إلى قطاع غزة حيث تتواصل المعاناة الإنسانية في ظل منظومة قانونية دولية واضحة نظريا مثل اتفاقيات جنيف والمحكمة الجنائية الدولية لكنها تواجه صعوبات سياسية تحد من فعاليتها في تحقيق المحاسبة
وتشير تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش إلى انتهاكات خطيرة موثقة لكنها غالبا تبقى في إطار التوثيق دون أن تتحول إلى إجراءات قضائية حاسمة ما يعمق الإحساس بالفجوة بين وضوح القانون وبطء العدالة
في هذا السياق تتقدم الصحافة لتأخذ دورا محوريا فهي لا تصدر أحكاما لكنها تحفظ الوقائع من الضياع وتمنع تحول الجرائم إلى مجرد أرقام أو روايات متنازع عليها وهنا تتحول إلى ذاكرة بديلة حين تتعثر العدالة
وفي قلب هذا الدور يبرز الصحفيون الفلسطينيون كحالة استثنائية حيث يواصلون التوثيق رغم المخاطر ليحولوا كل حدث إلى شهادة وكل لحظة إلى ذاكرة لا تمحى يمثلون هذا الامتداد اليومي للذاكرة في مواجهة النسيان
ومع حلول اليوم العالمي للصحافة يتسع هذا المعنى ليصبح عالميا فالصحافة ليست مجرد وسيلة لنقل الأخبار بل خط الدفاع الأخير عن الحقيقة في زمن تتصارع فيه الروايات وفي مناطق النزاع تصبح هذه الحقيقة أكثر هشاشة وأكثر أهمية في الوقت نفسه
وتؤكد تجارب تاريخية أن العدالة قد تتأخر لكنها تحتاج إلى ذاكرة محفوظة كي تتحقق في النهاية
في الختام تتقاطع كل هذه المسارات طوكيو غزة العدالة الدولية وصحافة الذاكرة لتطرح سؤالا واحدا كيف يمكن للعدالة أن تنصف ضحاياها إذا كانت الذاكرة نفسها عرضة للتجريف
فالعدالة قد تؤجل لكن الحقيقة حين تكتب بصدق تبقى هي البداية الأولى لأي إنصاف ممكن
