عروبة الإخباري كتب رجل الأعمال مجاهد البستنجي –
لا شك بأن حزمة القرارات الحكومية الأخيرة المتعلقة بقطاع المركبات في الأردن، قد جاءت لتشكّل تحولًا نوعيًا طال انتظاره. فالخطوة ليست فقط تخفيضات ضريبية رقمية، بل هي بمثابة إعادة صياغة لعلاقة المواطن مع الدولة في أحد أكثر القطاعات تأثيرًا على حياته اليومية وقدرته الشرائية.
أن تخفّض الحكومة الضرائب على سيارات البنزين من 71% إلى 51%، وعلى سيارات الهايبرد من 60% إلى 39%، وتثبت ضريبة السيارات الكهربائية عند 27%، فذلك يعكس فهماً دقيقًا لنبض الشارع، وإدراكًا بأن قطاع المركبات لم يعد يحتمل مزيدًا من التشوهات أو الإرباك الضريبي. لقد كانت الضرائب المبالغ فيها عبئًا ثقيلًا على المواطنين، وعائقًا في وجه تطور السوق وتحقيق العدالة بين فئاته.
الرسالة التي ترسلها الحكومة واضحة: لم تعد السياسات المؤقتة والمجزأة كافية، بل هناك توجه جاد نحو تصحيح المسار، وضمان الاستقرار التشريعي الذي يمنح السوق والمستهلكين الثقة والقدرة على التخطيط واتخاذ القرار. وهذا ما أكّده رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان حين شدّد على أن الإصلاح لن يتوقف رغم التحديات الإقليمية، وأن الأولوية هي للمواطن وديمومة الاقتصاد.
ولعلّ الأهم من التخفيضات هو الحزمة التنظيمية الشاملة التي تم تبنيها: من حظر استيراد السيارات المعدّلة أو التالفة (سالفج وجنك)، إلى إخضاع كافة المركبات المستوردة للمواصفات الأردنية والدولية، وصولًا إلى تحديد عمر المركبات الكهربائية المستوردة بثلاث سنوات. هذه الإجراءات ليست مجرد قواعد تنظيمية، بل ضمانات حقيقية للسلامة العامة، وتحسين نوعية المركبات في السوق، وتخليص المواطنين من دوامة الأعطال والحوادث الناجمة عن مركبات تالفة أو معدّلة خارج الرقابة.
القرارات أيضًا لا تغفل عن الجانب البيئي والحضري، إذ تسعى لتشجيع وسائل النقل الخفيفة كالسكوتر والدراجات من خلال خفض رسومها الجمركية، وهي خطوة ذكية للتقليل من الازدحام والتلوث، وإعطاء المدن الأردنية فرصة للحياة بمرونة ونقاء أكثر.
لكن النجاح الكامل لهذه الإصلاحات لن يتحقق بالقرارات وحدها، بل بتكاملها مع ملفات أخرى على رأسها: تطوير البنية التحتية لمحطات شحن السيارات الكهربائية، وضمان توفر خدمات الصيانة وقطع الغيار بأسعار معقولة، وخلق منظومة تمويل ميسّرة تتيح للطبقة المتوسطة الانتقال نحو خيارات أكثر استدامة واقتصادية.
من هنا، فإن الحزمة الحكومية لا تُعد إنجازًا بحد ذاتها فقط، بل بداية لمسار طويل يستوجب المتابعة والمساءلة والتطوير المستمر. وهي تشكّل فرصة حقيقية أمام القطاع الخاص أيضًا ليرتقي بمعاييره، ويستثمر في خدمات ما بعد البيع، ويقدّم منتجات تتماشى مع روح الإصلاح وضماناته.
ختامًا، تثبت الحكومة بهذه الخطوة أن الإصلاح لا يعني فقط شدّ الأحزمة أو فرض ضرائب جديدة، بل يعني أيضًا التراجع عن السياسات الخاطئة، وتصحيح المسارات، والاستماع الجاد لصوت المواطن. وهذه هي اللغة التي نحتاجها في الأردن اليوم؛ لغة الشراكة والشفافية والاستدامة.
