عروبة الإخباري –
في عالمٍ يضجّ بالأصوات المتشابهة، تطل غادة قنطار من بين الصفوف كقصيدة تمشي، وكأنها وُلدت من رحم الحرف نفسه. شاعرة لا تكتب بالكلمات فحسب، بل تنحت من الروح سطوراً، ومن التجربة شعراً يُشبه الماء في رقّته، والنار في صدقه. غادة ليست فقط صوتاً شعرياً أنثوياً متفرّداً، بل حالة وجدانية مكتملة، تقف عند تخوم الشعر لتعيد تعريف الحرف بمعايير الحنين، والرهافة، والدهشة.
هي التي جعلت من القصيدة معبراً بين القلب والقارئ، لا تتكلف ولا تتصنع، بل تكتب كما تنبض، وتنثر نصوصها كما تنثر الزهور عبيرها في بساتين المساء. في حضورها، تصمت الضوضاء ليُصغي الشعر.
“لمسة أنثى”.. بصمة الحنين والرقة
ليس غريبًا أن تحمل مجموعتها الشعرية الأولى عنوان “لمسة أنثى”؛ فكل ما تكتبه غادة يُشبه تلك اللمسة: دافئة، دقيقة، ناعمة، وعميقة في آن. الديوان، الصادر عن دار اليازوري عام 2020، ليس مجرد كتاب شعر، بل هو سيرة وجدانية موزعة على 261 صفحة، تحكي فيها عن الحب، والخذلان، والانتظار، وكأنها تهمس للقارئ من قلبها لا من ورق.
هي لا تكتب لتُدهش، بل لتُشعر. وهذا سرّها الحقيقي. حين تقرأ لها، تشعر أن بين السطور قلبًا يخفق، وذاكرة تُروى، وأنثى تتشكّل من نبض وحبر.
هوية لا تتنازل عن لغتها
رغم إقامتها في الأردن، ظلّت غادة قنطار وفية للعربية، لا تميل عنها ولا تتنازل عنها، حتى في زمنٍ كثرت فيه الإغراءات اللغوية. الفصحى في كتاباتها تُجاور العامية اللبنانية بسلاسة نادرة، فتمنح النص نكهة خاصة، أشبه بمزيج بين تراتيل الأمس ونبض اليوم.
تقول في أحد لقاءاتها: “الكتابة عندي لغة الروح على الورق”، وهذا ما يبرّر تمسّكها بلغتها الأم، التي ترى فيها مفتاح الانتماء والصدق.
القصيدة كنافذة إنسانية
ليست قنطار شاعرة تجريبية أو متكلفة، بل تُقيم كتاباتها في المناطق التي يسكنها الجميع: الفقد، الحب، الحنين، الطفولة، وحتى الموت. لذلك، عندما كتبت عن “اليتيم” أو “رحلتها الأخيرة”، لم تكن تروي حكايةً عابرة، بل كانت تفتح نافذة على وجع إنساني نبيل، بأسلوب يوازي الشعر صدقًا وإن لم يلتزم بالوزن والقافية.
أعمالها النثرية والشعرية المنشورة في الصحف والمجلات الإلكترونية لم تكن يومًا نتاج نزوة أدبية، بل ثمرة إحساس صادق لا يزهر إلا بدمع القلب.
شهادات وجمهور… واعتراف بالجمال
من الجامعة العربية الدولية للثقافة والسلام في فرنسا، إلى منتديات الأردن ولبنان، نالت غادة قنطار التكريم والتقدير، لكن ربما أجمل تكريم لها هو ذلك الذي يُمنح بصمت: قارئ تأثّر، أو نفس تهدّأت بعد قراءة، أو قلب وجد في كلماتها مرآة.
وفي أمسية ثقافية نظمها منتدى البيت العربي الثقافي في عمّان، وقف الحضور ليس فقط احترامًا لكلماتها، بل لأنهم وجدوا في قصائدها شيئًا يشبههم… يشبه الإنسان.
غادة… حيث تكون القصيدة أنثى كاملة
في كل ما تكتبه غادة قنطار، ثمة أنوثة ناضجة لا تخجل من ضعفها، ولا تتنكر لقوتها. شاعرة تعرف أن الشعر ليس ترفًا لغويًا، بل ضرورة داخلية، وأن الكتابة ليست حرفة، بل مصير.
إنها واحدة من تلك الأصوات التي لا تمرّ، بل تُقيم في الذاكرة، وتوشم القلب بصدقها. في زمن تسوده السرعة والسطحية، تأتي غادة كشجرة نادرة، تنمو ببطء… لكنها تثمر شعرًا لا يُنسى.
