عروبة الإخباري –
في الدول التي تحترم نفسها، لا يُترك القانون رهينة للرماديات، ولا تُمنح الكيانات الخارجة عن الشرعية ترف اللعب على الحبال. وفي الأردن، ظلّت جماعة الإخوان المسلمين لعقود طويلة نموذجًا صارخًا لكيان قرر بإرادته الخروج عن الدستور، متحصنًا بالشعارات الدينية والعمل الخيري، بينما يراكم نفوذًا موازٍ للدولة، ويتفادى الالتزام بأبسط استحقاقات الشرعية.
ستون عامًا من التواطؤ غير المعلن
منذ عام 1954، أصدرت الدولة قانونًا واضحًا بحل الجمعيات القائمة حينها، وطلبت من الجميع توفيق أوضاعهم بما يتسق مع الدستور. لكن جماعة الإخوان، رغم ترخيصها السابق، تجاهلت ذلك بوقاحة، ومضت تعمل كتنظيم موازٍ، لا يعترف بالدولة إلا بقدر ما يتيح له التمدد داخلها. وبالرغم من خروجه الفجّ عن القانون، جرى التغاضي عن هذا الانفلات، في مشهد لا يخلو من التواطؤ السياسي، أو في أحسن الأحوال، حسابات مغلوطة تحت عنوان “الاستقرار”.
تسامح الدولة لم يكن ضعفًا… لكنه كان ثمنًا باهظًا
التأخر في التنفيذ لم يكن نتيجة عجز، بل خيارٌ سياسي لم يُجْنِ سوى مزيد من الانفلات. إذ تعاملت الدولة لعقود بمنطق التسويات والمجاملات، ظنًا منها أن الجماعة ستُظهر حسن نية أو تراجعًا عن مشروعها الموازي. لكن ما حدث هو العكس تمامًا: تنظيم يتسلل إلى مفاصل المجتمع، ويستثمر في الخطاب العاطفي والديني، إلى أن وصل الأمر إلى تشكيل خلايا إرهابية ومشاريع تصنيع متفجرات وطائرات مسيرة.
جاء قرار محكمة التمييز عام 2018 ليؤكد ما كان يجب أن يُحسم منذ عقود: الجماعة منحلة بحكم القانون منذ عام 1954. قرار لا يُنشئ واقعًا جديدًا، بل يكشف عن واقع تم تجاهله عمدًا. كل ما نُسب للجماعة بعد هذا التاريخ يقع في خانة العمل غير المشروع، وأي ترويج لأفكارها هو فعل مجرَّم.
الإعلام ليس بوقًا للتضليل
المطلوب من الإعلام اليوم ألا يبيع الوهم للرأي العام، ولا يغلف التجاوزات بعبارات “حرية التعبير”. الإعلام الوطني مسؤول عن فضح الانتهاكات القانونية، لا تبريرها أو تجميلها، خصوصًا حين تكون صادرة عن تنظيم يعمل في الظل ويتخذ من الدين وسيلة لتضليل الناس واستغلال مشاعرهم.
إصلاح لا يتسع للمتلاعبين بالقانون
من يروّج أن ما يحدث اليوم هو “تضييق على الحريات”، إما مخدوع أو مشارك في التعتيم. فالإصلاح الحقيقي لا يمكن أن ينجح بوجود كيانات سرطانية تستغل الانفتاح لتخريب المجتمع وزرع الشك في مؤسسات الدولة. المطلوب هو الحسم، لا المسايرة.
نقطة اللاعودة… وقد تجاوزناها
ما قامت به الدولة الأردنية مؤخرًا لم يكن سوى الحد الأدنى من المطلوب. الرسالة الآن واضحة: لا مجال بعد اليوم لمن يضع قدمًا في الدولة وأخرى خارجها. من يتخفّى خلف عباءة الدين أو العمل الخيري لتنفيذ أجندات مريبة، لن يجد في هذه المرحلة أرضًا خصبة للمناورة. لقد انتهى زمن التراخي، وبدأ زمن المواجهة، لأن الحفاظ على هيبة الدولة وسيادة القانون لا يقبلان المساومة.
