يصعب النظر إلى المواجهة الأمريكية مع إيران بوصفها نصراً أمريكياً صافياً، كما يصعب في الوقت نفسه ابتلاع السردية الروسية والصينية التي تتحدث عن “انهيار الإمبراطورية الأمريكية” وكأن العالم استيقظ على سقوطٍ مكتمل.
الأقرب إلى الموضوعية أن ما جرى كشف حدوداً جديدة في فاعلية القوة الأمريكية، من دون أن يرقى بعدُ إلى معنى الانكسار التاريخي الكامل. فبعض المنابر الروسية، ومنها جازيت ، دفعت فعلاً بتشبيه ما حدث بـ”لحظة السويس”، أي اللحظة التي يتسع فيها الفارق بين صورة القوة والقدرة الفعلية على فرض الإرادة السياسية. لكن هذا التوصيف يظل جزءاً من خطاب دعائي روسي مقصود، لا حكماً نهائياً محايداً.
ومع ذلك، فإن كون الرواية الروسية منحازة لا يجعلها فارغة تماماً. فالمعضلة الأساسية لم تكن في حجم الضربات وحدها، بل في الفجوة بين سقف الخطاب الأمريكي وحصيلة الميدان. حين تبدأ الحرب أو التهديدات بلغة إسقاط النظام وتدمير القدرات وفرض الانصياع، ثم تنتهي من دون تحقق هذه الأهداف القصوى، فإن المشكلة لا تعود عسكرية فحسب، بل تصبح مشكلة في المصداقية الاستراتيجية نفسها. التحليلات الأمريكية المستقلة لم تتحدث عن انتصار حاسم، بل أقرت بوجود استنزاف معتبر في بعض الذخائر والمنظومات، وبأن الخطر الأهم يظهر إذا تراكمت الأزمات وتداخلت الجبهات، وخاصة في حال وقوع مواجهة أكبر في آسيا.
من هذه الزاوية، لا تبدو إيران “منتصرة” بالمعنى التقليدي، لكنها أيضاً لم تُهزم بالصورة التي كانت بعض الخطابات الأمريكية توحي بها. النظام لم ينهَر، والبرنامج لم يُمحَ نهائياً، والقدرة على المناورة السياسية لم تختفِ. وهذا يكفي لكي تدّعي طهران أنها نجحت في منع خصمها من تحويل تفوقه العسكري إلى نتيجة سياسية نهائية. في مثل هذه الحروب، لا يكون معيار الربح والخسارة دائماً هو حجم الخسائر المادية وحده، بل مقدار النجاح في فرض الشكل الأخير للنتيجة. وإذا كان الخصم قد وعد بأكثر كثيراً مما أنجز، فإن مجرد الصمود النسبي يتحول إلى مكسب سياسي للطرف الآخر.
أما القراءة الصينية، فهي أقل انشغالاً باللغة الرمزية من القراءة الروسية، وأكثر تركيزاً على بنية القوة نفسها: المخزون، الإنتاج، المعادن الحرجة، وسلاسل الإمداد. وهنا تكمن نقطة جدية لا يجوز الاستخفاف بها. فمؤسسات وتحليلات أمريكية حذرت من أن الهيمنة الصينية على بعض المعادن الاستراتيجية، مثل الغاليوم والجرمانيوم والأنتيمون والعناصر الأرضية النادرة، تمثل ثغرة حقيقية في القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية. هذا لا يعني أن واشنطن أصبحت عاجزة أو “تحت رحمة الصين” بصورة مطلقة، لكنه يعني أن الحرب الحديثة لم تعد تُقاس فقط بما تملكه الجيوش في المخازن، بل أيضاً بمن يملك شروط إعادة ملء تلك المخازن بسرعة وكفاءة.
وهنا يتبدى المعنى الأعمق لما جرى. الولايات المتحدة ما تزال القوة العسكرية الأكبر عالمياً، وما تزال تملك شبكة تحالفات وقدرات ردع لا تملكها أي دولة أخرى منفردة. لكن الهيمنة لا تقوم على حجم القوة وحده، بل على اقتناع الآخرين بأن هذه القوة قادرة، عند الامتحان، على فرض النتائج التي تعد بها. وحين تبدأ الفجوة بالاتساع بين الوعيد والنتيجة، تتعرض الهيبة للاهتزاز، حتى لو بقيت الأدوات العسكرية هائلة. لذلك فالمشكلة ليست في سقوط أمريكا، بل في تآكل جزء من الصورة القديمة التي كانت تجعل مجرد التهديد الأمريكي كافياً لإنتاج الانصياع أو الخوف أو الردع الكامل.
لهذا فإن الحديث الموضوعي لا ينبغي أن يسقط في أحد طرفين: لا في التهويل الروسي الذي يتحدث عن لحظة أفول نهائي، ولا في الإنكار الأمريكي الذي يتعامل مع الحرب كما لو أنها مرت بلا أثر. الأدق أن الولايات المتحدة خرجت من هذه الجولة وهي ما تزال الأقوى، لكنها أقل يقيناً، وأقل قدرة على الادعاء بأن التفوق العسكري يساوي تلقائياً الحسم السياسي. وهذه نقطة مفصلية في عالم اليوم، لأن القوى الكبرى لا تُختبر فقط في قدرتها على الضرب، بل في قدرتها على تحويل الضرب إلى نظام نتائج مستقر ومقنع.
إذا استمرت هذه الفجوة في أزمات لاحقة، فإن المشكلة لن تكون في خسارة معركة بعينها، بل في تغير نظرة العالم إلى حدود القوة الأمريكية نفسها. عندها لن تكون “لحظة السويس” مجرد استعارة صحفية روسية، بل وصفاً تدريجياً لتحول أعمق: انتقال الولايات المتحدة من موقع القوة التي تُصدَّق تهديداتها تلقائياً، إلى قوة ما تزال ضخمة، لكن الآخرين صاروا أكثر استعداداً لاختبار حدودها. وهذه، في ميزان السياسة الدولية، ليست نهاية إمبراطورية بالضرورة، لكنها بالتأكيد بداية مرحلة أشد صعوبة في إدارتها لصورتها وهيبتها ومصداقيتها.
أمريكا بعد حرب إيران: تراجع هيبة أم تضخيم خصوم؟* المستشار محمد برجي
2
