يُقام المعرض في متحف «آرا باتشيس» بوسط روما، ويأتي في إطار تعاون ثقافي وثيق بين السلطات الإيطالية والمصرية، حيث وصفه المنظمون بأنه محطة بارزة في العمل المشترك بين البلدين. وتعود القطع المعروضة إلى الفترة الزمنية الممتدة بين القرنين الأول والثالث الميلاديين، وهي الحقبة التي شهدت تمازجاً حضارياً لافتاً.

يحتوي المعرض على تشكيلة واسعة من المقتنيات الأثرية تشمل مومياوات وأقنعة وأكفاناً ومجوهرات، بالإضافة إلى تماثيل نصفية رخامية ومنحوتات متنوعة. وتأتي غالبية هذه القطع من المتاحف المصرية، حيث يُعرض بعضها خارج حدود الدولة المصرية للمرة الأولى في تاريخها، مما يمنح المعرض أهمية دولية خاصة.

من أبرز القطع التي تغادر مصر لأول مرة لوحة «توندو الأخوين» المعارة من المتحف المصري بالقاهرة، وهي بورتريه مزدوج خضع لعملية ترميم حديثة. تعود هذه اللوحة إلى عهد الإمبراطور هادريان، وتصوّر شابين بملامح دقيقة وشعر مجعد وعيون مفعمة بالتعبير، ويُرجح الخبراء أنهما شقيقان.

وصف كلاوديو باريسي بريزيتشي، المسؤول الرفيع عن التراث الثقافي في روما، لوحة الأخوين بأنها تحفة مطلقة وأهم عمل تصويري متبقٍ من العصور القديمة. وأوضح في تصريحات صحفية أن هذه الألواح الخشبية البسيطة، التي لا يتجاوز سمكها بضعة مليمترات، نجحت في تجسيد وجوه الموتى بأسلوب واقعي مذهل.

ترتبط هذه اللوحات بتقاليد الرسم الهلنستي، وكانت تُثبت ضمن لفائف المومياء عند منطقة الرأس، وقد انتشرت في الفترة التي أصبحت فيها مصر ولاية تابعة لروما. ويظهر في هذه الأعمال مزيج فريد بين الحضارتين، حيث تحمل الوجوه ملامح مصرية أصيلة بينما يرتدي أصحابها أزياء وتسريحات شعر رومانية.

تتنوع الوجوه المعروضة لتشمل الرجال والنساء والأطفال، وتظهر فيها تفاصيل دقيقة مثل علامات الشيب والتجاعيد أو الرموش الطويلة والوجنات الممتلئة للصغار. وقد استشهد المنظمون بمقولة للرسام الإيطالي أميديو موديلياني الذي رأى في هذه البورتريهات حياة تفوق حياة الأحياء الذين ينظرون إليها.

زائرة تتأمل قطعا أثرية في معرض "مصر وروما: وجوه الفيوم" بمتحف آرا باتشيس في روما

زائرة تتأمل قطعا أثرية في معرض “مصر وروما: وجوه الفيوم” بمتحف آرا باتشيس في روما

بورتريه جنائزي لرجل من وجوه الفيوم المعروضة في روما

بورتريه جنائزي لرجل من وجوه الفيوم المعروضة في روما

تشارك متاحف عالمية كبرى في إغناء مقتنيات المعرض، منها متحف اللوفر الفرنسي ومتحف المتروبوليتان للفنون ومتحف «جيه بول غيتي». كما ساهم متحف ولاية فورتمبيرغ ومؤسسات دولية أخرى بقطع أثرية نادرة تعزز الرواية التاريخية التي يقدمها المعرض لزواره في العاصمة الإيطالية.

تعد منطقة الفيوم في مصر المصدر الأساسي لهذه اللوحات، حيث ساعد مناخها الجاف على حفظ الأخشاب والمنسوجات وأوراق البردي رغم هشاشتها الشديدة. وتعتبر هذه المنطقة واحة خصبة على أطراف الصحراء، وفرت الظروف البيئية المثالية لبقاء هذه الكنوز الفنية صامدة أمام عوامل الزمن.

من بين المعروضات المتميزة كفن كتاني معار من متحف اللوفر، لا يزال يحتفظ بحالته الأصلية بشكل مدهش ويصوّر طقوس الانتقال إلى العالم الآخر. يظهر في الكفن رجل يقف بين المومياء والإله «أنوبيس»، وهو الإله الذي كان يُعتقد قديماً أنه يتولى إرشاد الموتى في رحلتهم الجنائزية.

تظهر النساء في لوحات الفيوم بزينة فاخرة تعكس مكانتهن الاجتماعية المرموقة في ذلك العصر، كما يتضح في لوحة «إيزيدورا» التي تعود للقرن الأول الميلادي. ترتدي إيزيدورا في اللوحة قلادة ذهبية مكونة من ثلاث طبقات مرصعة بالأحجار الكريمة، مع أقراط من اللؤلؤ وتسريحة شعر معقدة.

أشار بريزيتشي إلى أن هناك تساؤلات علمية عديدة لا تزال تحيط بهذه اللوحات، مثل توقيت رسمها وما إذا كانت تُعلق في المنازل قبل الوفاة. وأوضح أن العثور على مسمار في أعلى إحدى اللوحات يدعم فرضية أنها كانت تُستخدم كديكور منزلي قبل أن تُنقل لترافق صاحبها في قبره.

من جانبه، أكد هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار في مصر أن هذه الصور تملك قدرة فريدة على التأثير في المشاهد المعاصر. وأضاف أن هذه الوجوه تعود لأشخاص يشبهوننا، وأن قوة البورتريه تكمن في هذا التواصل البصري الذي يمتد عبر فجوة زمنية تصل إلى ألفي عام.

يستمر المعرض في استقبال زواره حتى الثاني من مايو المقبل، مما يتيح فرصة طويلة للجمهور الإيطالي والسياح للاطلاع على هذا الإرث الإنساني. ويمثل الحدث جسراً ثقافياً يربط بين تاريخ مصر القديم والحضارة الرومانية، مسلطاً الضوء على حقبة من التبادل الفني والاجتماعي الفريد.

كفن يحمل صورة المتوفى "أمون بن أنطينوس" ضمن معروضات المعرض

كفن يحمل صورة المتوفى “أمون بن أنطينوس” ضمن معروضات المعرض