على المرء العاقل أن يدرك أن الأحداث لا تحصل في الفراغ، ولا تأتي فرادى، وأن الجغرافيا والسياسة توأمان سياميان. قال أرسطو إن الإنسان كائن سياسي، فلا يمكن فصل الطبيعة الإنسانية عن السياسة وما تعنيه هذه الكلمة من معانٍ؛ فلا دين ولا ضمير، في كثير من الأحيان، يحكمان لعبة «فن الممكن».
ففي الحرب العالمية الثانية، قال تشرشل إنه مستعد للتحالف مع الشيطان لإنقاذ بريطانيا. فكما أن الحرب خدعة، فإن السياسة فن الممكن.
غدا الأردن في مرمى النيران وويلات المنطقة منذ وصول الحكومة الأكثر فاشية وتطرفًا في تاريخ إسرائيل إلى السلطة. وعلى الرغم من كل المقاومة والجهود التي بذلها الأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، في المحافل الدولية ومطابخ صنع القرار العالمي، لنشر الوعي ولجم الاحتلال وتحذير العالم من الخطر الداهم الذي يهدد الشرق الأوسط جراء الصعر الذي أصاب هذا الاحتلال، والمبني على معتقدات وخرافات ما أنزل الله بها من سلطان، فإن كثيرين آثروا البقاء يتلمسون طريقهم في الظلام على أن يدركوا النور ويعتبروا بنصيحة الملك عبدالله الثاني.
ما حدث في الكرك ليس حادثًا عابرًا، ولا هو فعل ذئاب منفردة أو أيٌّ من هذه المصطلحات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بل هو استمرار لمسلسل التهجير الذي بدأ في غزة وانتقل إلى الضفة الغربية. فعملية الخليل، التي تزامنت بصورة لافتة مع العملية الإرهابية التي استهدفت أهلنا في الكرك، تعكس عامل الخوف والفرقة ومحاولة شق الصفوف.
فالانتخابات الإسرائيلية على الأبواب، وفرص فوز ثعلب السياسة الإسرائيلية ضئيلة. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، أتقن هذا الرجل فلسفة لعبة الخوف والذعر والهلاك الحتمي، وتصوير الإرهاب على أنه خطر يتربص خلف باب كل إسرائيلي. فلا عجب أن تقوم هذه الهجمة في الخليل في أدق الأوقات؛ فالهدف هو خلط أوراق اللعبة الانتخابية، فبدلًا من تحقيق الفوز، قد يتكرر ما حدث في الانتخابات السابقة، فلا يكون هناك حسم، حتى تأتي الفرصة السانحة ويصبح هو الخيار الأفضل، أو الوحيد.
لكن أين الأردن من كل هذا الكلام؟ وما علاقتنا بما كتبت؟ فنحن لا ناقة لنا ولا جمل في الانتخابات الإسرائيلية أو غيرها، ولا فيما يجري في الأراضي المحتلة وما حدث في الخليل. لكن يجب التريث والتمعن بحذر ووضوح في تصريحات الحكومة الإسرائيلية، وعلى رأسها رئيس الوزراء، عقب عملية الخليل.
فقد قال إنه سيطهر الضفة الغربية كما فعل في مخيماتها، التي تمثل رمزًا لحق العودة وهوية اللجوء، وإنه سيقود حملة أشبه بحرب الأيام الستة عام 1967! وإذا كنا، نحن المثقفين والسياسيين والمفكرين، لا ندرك معنى هذا التصريح، فهذه كارثة. لقد أدت حرب عام 1967 إلى تهجير الفلسطينيين وقتلهم وترويعهم، ودفعهم إلى مغادرة أرضهم وبيوتهم نحو الأردن الذي احتضنهم. ولهذه التصريحات دلالات لا يدركها إلا أولو الألباب.
يد واحدة لا تصفق؛ فالأردن بحاجة إلى دعم حقيقي لجهوده الجبارة الرامية إلى لجم إسرائيل، وتحذيرات جلالة الملك يجب ألا تمر مرور الكرام على مسامع العالم، لأن برميل البارود بلغ درجة عالية من الضغط. وعلى الأردن أن يواصل دعم برنامجه السياسي القائم على حل الدولتين.
إن ما حدث في الكرك ليس حادثًا عرضيًا، بل هو محاولة للضغط على الأردن وضرب أمنه ووحدته الوطنية، وبث الخوف والهلع والشك بين مكونات الشعب وأطيافه، لإجباره على قبول التهجير ومخطط التوسع الإسرائيلي المجنون. لكن هذا لن يكون سهلًا كما يتخيل البعض؛ فالأردن، منذ القدم، كان وما زال وسيبقى أرض السلام والحب والتعايش والاستقرار والتسامح في ظل الهاشميين.
رحم الله أهلنا في الكرك، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، وأحسن عزاءهم. قلوبنا معكم، ونسأل الله أن يسكن شهداء الإرهاب الجبان فسيح جناته.
تمّام سلطان الحطاب