بصكوك إسلامية قيمتها 400 مليون دينار، وعائد سنوي نسبته 5.5 %، استبدلت أمانة عمّان قروضاً تجارية غالية بفائدة 8.25 %، ليتوجّه الوفر إلى مشاريع تنموية، ويكون فاتحة خير نحو تحول جذري في إدارة الموارد المالية للبلديات.
تقبع البلديات، لا سيما الصغرى والمتوسطة، تحت وطأة محدودية الإيرادات وهزال الأصول، محاصرةً بين اقتراض تجاري مكلف، أو تمويل من بنك المدن بدعم يُنهك الخزينة، وبآجال ضيقة. وعلى النقيض، تتكئ أمانة عمّان رغم ديونها، على إيرادات متنامية بنسبة 13 %، وإنفاق رأسمالي بـ177 مليون دينار في موازنة 2027، وأصول ضخمة. ما جعل الصكوك خيارها الأمثل لارتباطها بأصول ومنافع حقيقية.
لا تستطيع البلديات أن تطرح صكوكاً منفردةً بكفاءة؛ فقد يتعثر لضعف الملاءة، أو يبقى صغيراً غير جاذب للمستثمرين. وغيابها عن سوق الصكوك لا يعني أنها لا تحتاجها، بل لأنها لا تستطيع دخولها منفردة.
الحل يكمن في «التوريق البلدي المجمّع» (Pooled Financing)؛ بدمج احتياجات وأصول وإيرادات عدة بلديات في إصدار صكوك واحد كبير. هذا يوزّع المخاطر، ويخفض كلفة التمويل، ويجذب المستثمرين وخاصة المؤسسات الإسلامية، ويحمي من تقلبات الفائدة بكلفة ثابتة، ويمنح البلديات وصولاً مستداماً لأسواق المال بآجال أطول — مع بقاء كل بلدية مسؤولة عن حصتها وحدها.
ولا مانع، بعد التجميع، من اقتطاع ما نسبته 3 % إلى 5 %، أو ما يعادل خدمة الدين لستة أشهر، يُودَع في «حساب طوارئ مجمّع». فإذا تأخرت بلدية صغيرة عن سداد قسطها لسبب طارئ، يُسحب مؤقتاً من هذا الحساب لتغطية الدفعة، على أن تُمنح البلدية فترة سماح لتسديد ما عليها للحساب.
تُقاس جودة محفظة الصكوك بتصنيف الإصدار من وكالة تصنيف مستقلة، وأن يكون الإصدار مدعوماً بأصول تكفي عوائدها لسداد المستحقات، وألا تتجاوز مدة الصك العمر الاقتصادي للأصل الممول. وهذا كله يجذب المستثمرين المؤسسيين الكبار: صناديق التقاعد والاستثمار، والبنوك، وشركات التأمين، الذين يبحثون عن أحجام إصدار كبيرة مجدية (Scale) وذات سيولة متداولة في البورصة.
من الضروري فصل السياسة عن القرار الاستثماري لحماية المشاريع الممولة من التدخلات السياسية أو الانتخابية. وفي ذلك حفز للبلديات على الدخول في مشاريع مدرّة للدخل، مجتازة دراسات الجدوى الاقتصادية والخدمية وتقييم المخاطر، بدلاً من سداد العجوزات التشغيلية أو الرواتب. ولا بأس أن تُوجَّه تخفيضاً للديون بنسب محسوبة، بما يحقق وفورات تنساب نحو التنمية.
تتعدد المشاريع الممولة بالصكوك: البنية التحتية الرقمية، وتطوير الأحياء القديمة ومراكز المدن، والأسواق والمجمعات التجارية واللوجستية، والمواقف الذكية، والمناطق الحرفية والصناعية. وأفضلها تلك الصديقة للبيئة عبر الصكوك الخضراء والاجتماعية، لتمويل مشاريع الطاقة الشمسية لتخفيض فاتورة الكهرباء للشوارع والمرافق، والنقل النظيف، وبيع المواد القابلة للتدوير، وإنتاج السماد العضوي من مخلفات الأسواق، وجمع غاز الميثان لتوليد الكهرباء. وإن كان لا يُشترط أن تحقق إيرادات مباشرة؛ فبعض البنية التحتية يحقق منافع اجتماعية واقتصادية يصعب تحصيل مقابل مالي عنها.
تخفف الصكوك الضغط على بنك تنمية المدن والقرى، فقدرته على الإقراض مرتبطة برأس ماله وودائعه، وسيولته لا تتجاوز 28 مليون دينار. وتحوّله إلى المصدر الوحيد لتمويل جميع البلديات فيه تركز ائتماني ذي مخاطر، قد يدفعه إما إلى تقليص الإقراض، أو رفع التسعير، أو الاعتماد أكثر على دعم حكومي يرهق الموازنة. وللعلم، التكلفة المنخفضة لقروضه (0.5 %–2 %) ليست سعر سوق، بل نتيجة تدخل حكومي محمود يهدف إلى استدامة التنمية البلدية.
يمكن أن يتولى بنك تنمية المدن والقرى دور دور المنسّق والمجمّع للتمويل (Aggregator)، وضامن الإفصاح والشفافية، عبر تقارير دورية تقيس كفاءة الأداء.
والأمل كبير أن يصبح سكان مدننا مكتتبين في صكوكها، يدّخرون في مشاريعها ومرافقها، ويلمسون عائد استثماراتهم. ففي ذلك المعنى الحقيقي لـ»توريق أصول المدينة وتزهيرها».