أنطوان شلحت _قبل أقل من عشرة أيام على الانتخابات الإسرائيلية العامة، من الطبيعي أن تتجه الأنظار إلى ما تطرحه أحزاب المعارضة المتكتلة ضمن ما يُعرف بـ”معسكر التغيير”، الذي يتمحور هدفه السياسي المباشر حول إزاحة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عن الحكم. غير أن أهمية برامج هذه الأحزاب لا تقتصر على كيفية إدارة الحرب أو التعامل مع التحديات الأمنية المباشرة، بل تمتد إلى أسئلة أكثر جوهرية تتعلق بمستقبل المشروع السياسي الإسرائيلي: ماذا تريد إسرائيل من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 1967؟ وهل ثمة استعداد لدى هذه الأحزاب لتسوية سياسية مع الفلسطينيين؟ وما مصير قطاع غزة: هل يعود إلى حكم فلسطيني، أم يبقى خاضعًا لترتيبات أمنية إسرائيلية، أم تُنقل مسؤولية إدارته إلى أطراف عربية ودولية؟.
تكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة في ضوء تداعيات هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 والحرب التي تلته على قطاع غزة، وما أحدثته من تحوّلات في النقاش السياسي الإسرائيلي، حيث تعزّز حضور الاعتبارات الأمنية، وتراجعت مساحة النقاش بشأن التسوية السياسية، فيما باتت قضايا السيطرة العسكرية وترتيبات الحكم في الأراضي الفلسطينية تحتل موقعًا مركزيًا في برامج الأحزاب ومواقف قادتها.
ويضم “معسكر التغيير”، في السياق الذي تتناوله هذه المقالة، أحزاب “يَشار” (“استقامة”) برئاسة غادي أيزنكوت، الرئيس السابق لهيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي؛ “بياحد” (“معًا”)، بقيادة رئيس الحكومة الأسبق نفتالي بينيت، المتحالف مع حزب “يوجد مستقبل” برئاسة يائير لبيد، رئيس الحكومة الأسبق وزعيم المعارضة؛ “إسرائيل بيتنا” برئاسة أفيغدور ليبرمان؛ “الديمقراطيون” برئاسة يائير غولان، نائب رئيس هيئة الأركان العامة السابق، وهو الحزب الذي نشأ عن اندماج حزبي العمل وميرتس.
ولا تمثل هذه الأحزاب تيارًا سياسيًا متجانسًا في القضية الفلسطينية. فهي تتباين في نظرتها إلى مستقبل الضفة الغربية، وفي مدى استعدادها لتبني حل الدولتين، وفي تصورها لترتيبات الحكم في قطاع غزة. ومع ذلك، فإن المقارنة بينها تكشف عن مساحة مشتركة واسعة تتمثل في مركزية الأمن الإسرائيلي، والتحفظ على الانسحاب من دون ضمانات أمنية، وغياب اتفاق واضح على مسار سياسي قابل للتنفيذ ينهي الصراع.
يمثل حزب “الديمقراطيون” أحد أبرز التعبيرات المعاصرة عن “اليسار الصهيوني” الإسرائيلي. وينطلق من أن استمرار السيطرة على الفلسطينيين، وضم الأراضي، وتعميق المشروع الاستيطاني، يهدّد على المدى البعيد إمكان الحفاظ على إسرائيل بوصفها دولة يهودية وديمقراطية. ومن هذا المنطلق، يرفع الحزب شعار “الانفصال المسؤول عن الفلسطينيين”، ويعارض ضم أراضي الضفة الغربية، ويدعو إلى وقف المسار الذي يقود إلى ترسيخ السيطرة الإسرائيلية الدائمة عليها.
لكن من الضروري التمييز بين هذه المبادئ وبين تبنّي برنامج تفصيلي لإقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967. فالحزب لا يضع، في خطابه السياسي الراهن، حل الدولتين في صدارة برنامجه بالصورة التقليدية التي عرفتها تيارات اليسار الصهيوني سابقًا، وإن كانت فكرة الانفصال السياسي عن الفلسطينيين ووقف الضم تلتقيان مع بعض المرتكزات التي استند إليها هذا الحل.
ولا يعني ذلك أن الحزب يتوقع التوصل قريبًا إلى اتفاق نهائي مع الفلسطينيين، أو أن الظروف السياسية والأمنية الحالية تسمح بإطلاق مفاوضات ناجحة. بل ينطلق من ضرورة تغيير الاتجاه القائم، عبر خطوات تقلّص الاحتكاك بين الطرفين، وتمنع تحويل واقع السيطرة الإسرائيلية إلى صيغة دائمة، وتحدّ من ترسيخ واقع الدولة الواحدة الذي يضع إسرائيل أمام معضلة ديموغرافية وسياسية متفاقمة.
وفي هذا السياق، يدعو الحزب إلى وقف الضم والتوسع الاستيطاني الذي يقوّض إمكان إقامة كيان فلسطيني قابل للحياة، وإلى تعزيز التعاون الأمني مع السلطة الفلسطينية، بالتوازي مع إصلاحها مؤسسيًا وسياسيًا. لكنه يتمسك، في الوقت نفسه، باستمرار حرية العمل العسكري الإسرائيلي عند الضرورة، وبضمانات أمنية تمنع نشوء تهديدات جديدة.
أما في قطاع غزة، فيدعو الحزب إلى إنهاء حكم حماس، وإقامة سلطة بديلة تتولى إدارة القطاع، مع الاستعانة بجهات فلسطينية ودعم عربي ودولي، والعمل على نزع السلاح ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية للحركة. ولا يعني ذلك التخلي عن الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية؛ إذ يتمسك الحزب بالرقابة الأمنية المباشرة على الحدود والمعابر، وباحتفاظ إسرائيل بحرية التحرك لمواجهة التهديدات.
وهكذا يجمع موقف “الديمقراطيون” بين السعي للانفصال عن الفلسطينيين ووقف الضم من جهة، والإبقاء على ترتيبات أمنية إسرائيلية واسعة من جهة أخرى. وتكمن المعضلة في أن الانفصال، إذا لم يقترن بأفق سياسي واضح وبترتيبات تتيح للفلسطينيين ممارسة حقوقهم الوطنية، قد يتحوّل إلى إعادة تنظيم للسيطرة بدلًا من أن يكون مدخلًا لإنهائها.
تبدو مقاربة حزب “يَشار”، برئاسة غادي أيزنكوت، أكثر ارتباطًا بالاعتبارات الأمنية والاستراتيجية. فالحزب لا يجعل حل الدولتين شعارًا مركزيًا في برنامجه، كما لا يقدم تصورًا سياسيًا تفصيليًا لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. والأدق أن موقفه يقوم على تجنب الخيارات التي يرى أنها قد تعرض أمن إسرائيل للخطر، مع الحذر من ضم ملايين الفلسطينيين وما يترتب على ذلك من تداعيات ديموغرافية وسياسية.
ويؤكد أيزنكوت أهمية الحفاظ على قوة الجيش الإسرائيلي، وتطوير عقيدة أمن قومي قادرة على مواجهة التهديدات الإقليمية. وفي القضية الفلسطينية، يترك هذا التوجه مساحة واسعة لاستمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية، ولا سيما في المناطق التي تعتبرها المؤسسة الأمنية ذات أهمية استراتيجية، مثل غور الأردن والقدس والكتل الاستيطانية الكبرى.
غير أن التحفظ على الضم لا يعني بالضرورة تأييد الانسحاب، كما أن رفض ضم السكان الفلسطينيين لا يحدّد وحده شكل التسوية السياسية المنشودة. ومن هنا، فإن مقاربة “يَشار” تبدو أقرب إلى البحث عن صيغة تتيح لإسرائيل الاحتفاظ بهامش واسع من السيطرة الأمنية، مع تجنب تحمل المسؤولية السياسية والمدنية الكاملة عن السكان الفلسطينيين.
وفي قطاع غزة، تقوم المقاربة على إنهاء حكم حركة حماس، ورفض العودة إلى حكم عسكري إسرائيلي دائم، والعمل على إنشاء إدارة بديلة لا تخضع للحركة ولا تكون تابعة مباشرة لإسرائيل، وتحظى بدعم إقليمي ودولي. لكن هذا التصوّر لا يلغي احتفاظ الجيش الإسرائيلي بحرية التحرك العسكري إذا ما ظهرت تهديدات جديدة، ولا يقدم بالضرورة حلًا نهائيًا لمسألة السيادة أو للارتباط السياسي بين غزة والضفة الغربية.
وتكشف هذه المقاربة عن فجوة بين الرغبة في تجنّب الاحتلال الدائم وبين الإصرار على الاحتفاظ بحرية العمل العسكري والسيطرة على المواقع الاستراتيجية. فكيف يمكن إنهاء الحكم العسكري الدائم مع استمرار عناصر أساسية من السيطرة الأمنية؟ وأين ينتهي الترتيب الأمني المؤقت ويبدأ واقع السيطرة الدائمة؟ لا يقدم الخطاب السياسي للحزب إجابات تفصيلية وحاسمة عن هذه الأسئلة.
أما حزب “معًا”، بقيادة نفتالي بينيت، فيطرح توجهًا يمينيًا صهيونيًا يرفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ويعتبر الانسحاب من الأراضي التي يراها ذات أهمية استراتيجية مخاطرة أمنية لا مبرر لها. وينطلق هذا التوجه من اعتبار الضفة الغربية جزءًا من المجال التاريخي والأمني الحيوي لإسرائيل، ويرفض العودة إلى خطوط عام 1967 أساسًا لتسوية سياسية.
وبدلًا من الرهان على المفاوضات التي قد تنتهي بإقامة دولة فلسطينية، يفضل هذا التيار ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على المناطق التي يعتبرها ضرورية لأمن الدولة، مع توسيع نطاق الحكم الذاتي المدني الفلسطيني وتحسين الظروف الاقتصادية والمعيشية للسكان. ويستند هذا التصور إلى مفهوم “تقليص الصراع”، الذي يفترض إمكان تحسين الحياة اليومية للفلسطينيين وتوسيع فرص العمل والحركة والخدمات، من دون الانتقال إلى تسوية تمنحهم سيادة سياسية مستقلة.
لكن هذا التصور يثير سؤالًا جوهريًا: هل يستطيع تحسين الظروف الاقتصادية والمعيشية أن يكون بديلًا من الحقوق الوطنية والسياسية؟ إن توسيع الحكم الذاتي المدني، في ظل استمرار السيطرة الإسرائيلية على الأرض والأمن والحدود، لا يحل معضلة السيادة، بل قد يكرس فصلًا بين إدارة شؤون السكان والسلطة الفعلية التي تتحكم في المجال الذي يعيشون فيه.
وتتجلى هذه الرؤية بوضوح في موقف بينيت من منطقة E-1 الواقعة بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم، حيث يؤيد البناء الاستيطاني ويعتبره عاملًا يعزز التواصل الجغرافي الإسرائيلي. وتكتسب هذه المنطقة أهمية سياسية خاصة بسبب ما قد يترتب على توسيع الاستيطان فيها من آثار على التواصل الإقليمي الفلسطيني بين شمال الضفة الغربية وجنوبها. كما يشدّد بينيت على رفض إقامة دولة فلسطينية أو نقل أراضٍ إلى الفلسطينيين، مؤكدًا أنه لن يتنازل عن أي جزء من الأرض التي يعتبرها حقًا إسرائيليًا.
وفي قطاع غزة، يطرح بينيت مقاربة تقوم على “حسم حماس”، لا من خلال العمل العسكري وحده، بل أيضًا عبر تغيير البيئة السياسية والإقليمية التي تتيح للحركة الاستمرار. وفي هذا السياق، دعا إلى اعتبار قطر دولة عدو، وإخراجها وتركيا من مجلس السلام في غزة، واستبدالهما بدول عربية وإقليمية وصفها بالمعتدلة.
ويربط بينيت، كذلك، القدرة على حسم حماس بمشكلة نقص القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي، معتبرًا أن تجنيد المتخلفين عن الخدمة العسكرية يمكن أن يوفر القوة اللازمة لتنفيذ عملية عسكرية حاسمة، لا يمكن الكشف عن تفاصيلها لأسباب أمنية.
غير أن إنهاء حكم حماس، حتى لو تحقق عسكريًا، لا يجيب وحده عن سؤال اليوم التالي. فمن سيتولى إدارة القطاع؟ وما مصدر شرعية هذه الإدارة؟ وكيف ستتم إعادة الإعمار، ومن سيمولها؟ والأهم، كيف يمكن منع عودة الصراع في ظل غياب أفق سياسي للفلسطينيين؟ إن مقاربة بينيت تتسم بوضوح أكبر في رفض الدولة الفلسطينية منها في تحديد صيغة حكم مستقرة وقابلة للاستمرار في غزة.
يتبنى حزب “إسرائيل بيتنا”، برئاسة أفيغدور ليبرمان، موقفًا أكثر صراحة في رفض المسار السياسي الذي انطلق من اتفاقيات أوسلو. فقد دعا ليبرمان إلى إلغاء هذه الاتفاقيات وتفكيك السلطة الفلسطينية، معتبرًا أن التجربة أخفقت في تحقيق الأمن أو في إنتاج تسوية سياسية مستقرة. كما يرفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ويدعو إلى البحث عن ترتيبات إقليمية بديلة لإدارة المناطق الفلسطينية.
ولا يقتصر موقف الحزب على رفض حل الدولتين، بل يتضمن تصورًا لإعادة توزيع المسؤوليات السياسية والمدنية والأمنية بين إسرائيل والأردن وأطراف عربية ودولية أخرى. وفي هذا السياق، طرح ليبرمان فكرة “اتفاق لندن مطوّر”، القائم على تعاون إسرائيلي أردني، مع التعامل مع الضفة الغربية وقطاع غزة بوصفهما كيانين منفصلين من حيث ترتيبات الحكم.
وفي الضفة الغربية، يدعو الحزب إلى فرض السيادة الإسرائيلية على المنطقة ج، مع احتفاظ إسرائيل بالمسؤولية الأمنية عن مجمل المنطقة، ونقل مسؤولية النظام العام وإدارة الشؤون اليومية في المنطقتين أ وب إلى إطار من التعاون أو الكونفدرالية مع الأردن. ووفق هذا التصور، يتولى الأردن دورًا في إدارة الحياة اليومية للسكان الفلسطينيين، بينما تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية وبالتواصل الجغرافي بين المناطق الخاضعة لها.
ويستند هذا الطرح إلى رفض ليبرمان أن تتحمل إسرائيل المسؤولية المدنية والسياسية الكاملة عن الفلسطينيين، لكنه يفترض، في الوقت نفسه، استعداد الأردن لتولي مسؤوليات واسعة داخل الضفة الغربية، وهو أمر لا يمكن اعتباره أمرًا محسومًا أو مقبولًا تلقائيًا من جانب عمّان. كما يطرح أسئلة بشأن موافقة الفلسطينيين أنفسهم على ترتيبات من هذا النوع، ومصير مؤسسات السلطة الفلسطينية، والحقوق السياسية للسكان في ظل استمرار السيطرة الإسرائيلية على الأرض.
ويرتبط اسم ليبرمان تاريخيًا أيضًا بمقترح “تبادل الأراضي والسكان”، الذي يقوم على ضم الكتل الاستيطانية إلى إسرائيل، في مقابل نقل مناطق ذات كثافة سكانية عربية داخل الخط الأخضر، ولا سيما أجزاء من منطقة المثلث، إلى الدولة الفلسطينية المفترضة أو إخضاعها لترتيبات حدودية جديدة. ويقدم مؤيدو هذا التصور إياه باعتباره وسيلة للحفاظ على الأغلبية اليهودية داخل إسرائيل، لكنه يثير اعتراضات جوهرية تتعلق بالمواطنة والحقوق الفردية والجماعية للفلسطينيين الذين قد يتأثرون به، فضلًا عن إشكالية التعامل مع المواطنين بوصفهم جزءًا من معادلة لتبادل الأراضي.
أما في قطاع غزة، فيدعو ليبرمان إلى فصل مدني واقتصادي واسع بين إسرائيل والقطاع، وإنهاء الاعتماد على إسرائيل في إدارة شؤونه المدنية، ونقل مسؤولية إدارته إلى جهة خارجية تحظى بقبول عربي ودولي. وتشمل الخيارات التي يطرحها مصر ودول الخليج والجامعة العربية، مع احتفاظ الجيش الإسرائيلي بحرية التحرك العسكري عند الضرورة.
ويطرح ليبرمان، كذلك، تشجيع الهجرة الطوعية لسكان غزة الراغبين في الانتقال إلى دول أخرى، باعتبارها أحد الخيارات الممكنة لتخفيف الضغط السكاني والاقتصادي. غير أن هذا الطرح يظل محاطًا بأسئلة تتعلق بمدى استعداد الدول الأخرى لاستقبال السكان، وبالظروف التي يمكن في ظلها اعتبار الهجرة طوعية فعلًا، وبالحقوق التي ينبغي ضمانها لمن يختارون البقاء في القطاع.
وهكذا، فإن مقاربة “إسرائيل بيتنا” لا تتوقف عند رفض حل الدولتين، بل تسعى إلى بناء نظام إقليمي لإدارة الفلسطينيين، مع إبقاء السيطرة الأمنية الإسرائيلية في موقع مركزي. إلا أن نجاح هذا التصور يتوقف على موافقة أطراف أخرى لا تملك إسرائيل ضمانها، كما أنه لا يقدم إجابة واضحة عن حق الفلسطينيين في تقرير مستقبلهم السياسي.
تكشف المقارنة بين الأحزاب الأربعة التي تعتبر نفسها معارضة عن تباين في الوسائل والأولويات، لكنها تظهر أيضًا قواسم مشتركة مهمة. فالأحزاب الأربعة تمنح الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية موقعًا مركزيًا في تحديد مستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة، وتتعامل بحذر مع الانسحاب الذي لا يقترن بضمانات أمنية. كما أن ثلاثة منها، على الأقل، لا تجعل إقامة دولة فلسطينية مستقلة هدفًا سياسيًا مركزيًا في برامجها الراهنة، فيما لا يقدم الحزب الرابع، “الديمقراطيون”، تصوّرًا تفصيليًا واضحًا لكيفية الانتقال من الانفصال عن الفلسطينيين إلى تسوية نهائية قائمة على السيادة الوطنية.
وتواجه هذه التصورات جميعًا تحديات مشتركة. فالاحتفاظ بالسيطرة الأمنية لا ينتج بالضرورة استقرارًا سياسيًا، ونقل المسؤولية المدنية إلى أطراف أخرى لا يضمن استعدادها لتوليها، كما أن رفض إقامة دولة فلسطينية لا يلغي المطالب الوطنية والسياسية للفلسطينيين، ولا ينهي الصراع على الأرض والسيادة والحقوق.
وفي قطاع غزة تحديدًا، لا يمكن اختزال “اليوم التالي” في منع عودة حماس إلى الحكم. فإقامة إدارة قابلة للاستمرار تتطلب شرعية سياسية، وقدرة على تقديم الخدمات، وتمويلًا لإعادة الإعمار، ومعالجة للأوضاع الإنسانية، إلى جانب ترتيبات أمنية واضحة. كما أن فصل غزة عن الضفة الغربية، أو التعامل معهما باعتبارهما كيانين سياسيين منفصلين، يثير تساؤلات بشأن مستقبل التمثيل الوطني الفلسطيني وإمكان التوصل إلى تسوية شاملة.
وفي الضفة الغربية، تبرز معضلة أكثر عمقًا: فبينما تسعى بعض أحزاب المعارضة إلى وقف الضم أو تجنب ضم السكان الفلسطينيين، تتمسك في الوقت نفسه بأشكال واسعة من السيطرة الأمنية والاستيطانية. ويعني ذلك أن تغيير الحكومة الإسرائيلية، في حد ذاته، لا يضمن تغييرًا جوهريًا في السياسة تجاه الفلسطينيين، ما لم يقترن بتحوّل في التصور السياسي الذي يحكم العلاقة بين السيطرة على الأرض وحقوق السكان.
في المحصلة، تكشف مواقف أحزاب المعارضة الإسرائيلية المتكتلة ضمن “معسكر التغيير” عن أزمة سياسية تتجاوز الخلاف على شخص بنيامين نتنياهو أو على طريقة إدارته للحرب. فالسؤال الأهم ليس فقط من يحكم إسرائيل، بل أي مشروع سياسي يمكن أن تتبناه الحكومة المقبلة إزاء الفلسطينيين: هل ستكتفي بإدارة الصراع وتقليص مخاطره الأمنية، أم ستعمل على تغيير شروطه السياسية وصولًا إلى تسوية قابلة للاستمرار؟
إن استبدال حكومة بأخرى قد يفضي إلى تغيير في أسلوب الحكم، أو في العلاقات مع الولايات المتحدة والدول العربية، أو في إدارة الجيش والسلطة المدنية. لكنه لا يعني بالضرورة حدوث تحوّل في جوهر السياسة الإسرائيلية. فحين تتفق غالبية الأحزاب الصهيونية المعارضة على مركزية السيطرة الأمنية، بينما تتجنب تحديد أفق سياسي واضح لإنهاء السيطرة على الفلسطينيين، يصبح التغيير الحكومي محتملًا من دون أن يكون التغيير الاستراتيجي مضمونًا.
ولا تكمن المشكلة في أن هذه الأحزاب لا تقدم حلًا فوريًا للصراع، بل في أن بعضها يرفض الدولة الفلسطينية صراحة، فيما لا يحدد بعضها الآخر مسارًا سياسيًا واضحًا يمكن أن يقود إلى إنهاء الاحتلال وتحقيق تسوية. وفي ظل هذا الغياب، قد تتحول الإجراءات الأمنية والإدارية، مهما اختلفت صيغها، إلى وسائل لإدامة واقع الصراع بدلًا من تجاوزه. من هنا، فإن غياب الأفق السياسي لا يمثل مجرد نقص في البرامج الانتخابية، بل يشكل مصدرًا متجدّدًا لأزمات لاحقة.
تم إعداد هذا العدد من ملحق المشهد الإسرائيلي ضمن مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي. ويتحمل مركز مدار وحده، بوصفه المستفيد من المنحة، مسؤولية محتوى هذا العدد، ولا يعكس المحتوى بالضرورة مواقف الاتحاد الأوروبي.