تحتفل أذربيجان في الثامن عشر من أكتوبر (تشرين الأول) بذكرى استعادة استقلالها عام 1991؛ وهي المحطة السياسية المفصلية التي لم تكن مجرد إعلان لدولة جديدة، بل تأكيداً صريحاً على الارتباط القانوني والتاريخي بـ “جمهورية أذربيجان الديمقراطية” الأولى، التي أُعلنت عام 1918. وتستمد هذه المناسبة أبعادها من كونها تجسيداً لحيوية الدولة الأذربيجانية، وتجدداً لمسيرتها التنموية وسيادتها الوطنية.
ففي 18 أكتوبر 1991، صوّت المجلس الأعلى لجمهورية أذربيجان لصالح “القانون الدستوري بشأن استقلال الدولة”، في خطوة تاريخية حسمت مسار استعادة السيادة الكاملة. وجاء القرار حينها متناغماً مع التحولات الجيوسياسية العاصفة التي شهدها الاتحاد السوفياتي آنذاك، وتصاعد حراك الشعوب لتقرير مصيرها والخروج من عباءة المركزية السوفياتية.
ولم تكن تلك الخطوة نقطة الصفر، بل جاءت امتداداً لإرث وتاريخ متجذر في بناء الدولة الوطنية يعود إلى أكثر من سبعة عقود.
إرث متجذر من 1918.. الخلف القانوني للجمهورية الأولى
تعود الجذور الحديثة للسيادة الأذربيجانية إلى 28 مايو (أيار) 1918، تاريخ تأسيس “جمهورية أذربيجان الديمقراطية”، التي أُدرجت في التاريخ كأول جمهورية ديمقراطية برلمانية في الشرق الإسلامي. ورغم أن تلك التجربة لم تستمر سوى 23 شهراً بسبب سيطرة الحكم السوفياتي في أبريل (نيسان) 1920، فإن مبادئها ظلت حية في الذاكرة الجمعية، وشكلت مرجعية ملهمة للحركة الوطنية مع نهاية القرن العشرين.
وقد تجلّى هذا البعد التاريخي بوضوح في “القانون الدستوري” لعام 1991؛ إذ نص صراحة على الاستناد إلى “إعلان الاستقلال” الصادر عام 1918، ومُخرجات “إعلان استعادة الاستقلال” الصادر في 30 أغسطس (آب) 1991، معلناً أن جمهورية أذربيجان المعاصرة هي “الخلف القانوني” والشرعي لجمهورية 1918 الديمقراطية، وهو ما منح الاستقلال المعاصر شرعية تاريخية وقانونية متكاملة.
من الشرعية الدستورية إلى التثبيت الشعبي والرموز الوطنية
لم يكتفِ المسار السياسي بالقرارات البرلمانية؛ بل تعزز بشرعية شعبية واسعة عبر استفتاء عام أُجري في 29 ديسمبر (كانون الأول) 1991، صوّت فيه المواطنون بأغلبية ساحقة لصالح خيار الاستقلال والسيادة الوطنية.
ورافق هذا التحول السياسي استكمال بناء الرموز السيادية للبلاد. ففي مايو (أيار) 1992، اعتمد البرلمان الأذربيجاني (“الميلي مجلس”) النشيد الوطني (من ألحان أوزير حاجيبيوف وكلمات أحمد جواد)، إلى جانب إقرار العلم الوطني ثلاثي الألوان وشعار الدولة المتمثل بالشعلة والجمجمة/النجمة ثمانية الرؤوس. وتحولت هذه الرموز من مجرد شارات رسمية إلى تجسيد حي للهوية الوطنية الممتدة من تجربة 1918.
28 مايو و18 أكتوبر.. تمييز تشريعي يعزز ذاكرة الدولة
في إطار تنظيم الذاكرة الوطنية، أقرّت السلطات الأذربيجانية في عام 2021 تعديلاً تشريعياً جوهرياً للتمييز بين المحطتين؛ حيث اعتمد البرلمان في 15 أكتوبر 2021 قانون “يوم الاستقلال”، والذي وقّعه الرئيس إلهام علييف، ليُصبح بموجبه:
28 مايو: يوماً للاستقلال (ذكرى تأسيس الجمهورية الأولى 1918).
18 أكتوبر: يوماً لاستعادة الاستقلال (ذكرى صدور القانون الدستوري 1991).
ويُحتفى بالثامن عشر من أكتوبر سنوياً كـ “مناسبة الوطنية رسمية” تُبقي على سيران العمل، ترسيخاً لأهميتها في التاريخ الحديث دون التعطيل الإداري.
الاستقلال.. قاعدة الانطلاق نحو المستقبل
ورغم التحديات الجسيمة التي واجهت الدولة الفتية عقب 1918 و1991—من أزمات التحول الاقتصادي إلى النزاع المسلح حول إقليم قره باغ—فقد شكل استعادة الاستقلال الحجر الأساس في بناء المؤسسات الحديثة، وصياغة سياسة خارجية متوازنة، وتثبيت أركان الأمان الاستراتيجي.
إن إحياء ذكرى 18 أكتوبر يتجاوز حدود البعد الاحتفالي؛ فهو يتجدد سنوياً كوقفة استراتيجية لتأكيد حماية السيادة الوطنية، وصون الهوية الجامعة، واستكمال مسيرة التنمية المستدامة التي انطلقت قبل أكثر من قرن.