قراءة أدبية ووطنية في كتاب الدكتورة الإعلامية عبير العربي
هناك كتب تُكتب لكي تخبرنا بما حدث، وكتب أخرى تجعلنا نشعر بما حدث. والفارق بينهما هو الفارق بين التاريخ بوصفه معلومة، والتاريخ بوصفه تجربة إنسانية.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة كتاب الدكتورة الإعلامية عبير العربي «حين صار الطريق ذاكرة»؛ فهو لا يتعامل مع الماضي باعتباره وقائع مكتملة، بل يعيد فتحه من بوابة الذاكرة، حيث تتحول الأحداث إلى أصوات ووجوه وأمكنة وخوف وانتظار وحنين.
قوة الكتاب لا تكمن في موضوعه الوطني والعسكري فحسب، وإنما في الطريقة التي ينتقل بها من التجربة العسكرية إلى التجربة الإنسانية، ومن التجربة الإنسانية إلى الذاكرة الوطنية، ومن الذاكرة إلى الأدب.
إن عبير العربي لا تقول للقارئ فقط: «هذا ما حدث»، وإنما تدفعه إلى السؤال الأعمق: كيف كان الإنسان يشعر وهو يعيش ما حدث؟
الطريق الذي عبرناه… وعبر فينا
يحمل العنوان «حين صار الطريق ذاكرة» كثافة رمزية لافتة.
فالطريق في الأدب ليس مجرد مساحة بين نقطتين؛ إنه رمز للرحلة والتحول والمصير. لكن الكاتبة تمنحه طبقة أكثر عمقًا حين تجعل الطريق «ذاكرة».
وهنا تحدث المفارقة الجمالية الأجمل:
الطريق لا يعود مكانًا نعبره، بل شيئًا يعبر فينا.
قد يغادر الإنسان المكان، لكنه لا يغادر بالضرورة ما تركه المكان في داخله. وقد تنتهي الأيام على التقويم، لكنها تظل حية في الذاكرة.
ومن هنا يصبح الطريق استعارة عن التجربة كلها؛ طريقًا من الشباب إلى النضج، ومن الخوف إلى الصمود، ومن اللحظة العابرة إلى التاريخ.
ثلاثون يومًا… وزمن كامل
«ثلاثون يومًا على خط القنال» ليست مجرد مدة زمنية.
فالزمن في التجارب الاستثنائية لا يقاس بالساعات. ساعة الخوف ليست كساعة الراحة، وليلة الانتظار ليست كأي ليلة، واليوم الذي يعيش فيه الإنسان تحت ضغط المسؤولية قد يساوي سنوات من الحياة العادية.
لذلك تبدو الأيام الثلاثون أقرب إلى زمن نفسي منها إلى زمن تقويمي؛ ثلاثون يومًا على الورق، لكنها في الذاكرة قد تصبح عمرًا كاملًا.
وهنا يتحول الزمن من خلفية للأحداث إلى بطل خفي في الكتاب.
الذاكرة… بطلة الحكاية
الذاكرة في هذا العمل ليست مجرد مستودع للماضي، وإنما قوة تعيد ترتيب التجربة وتمنح التفاصيل الصغيرة قيمتها.
قد لا يتذكر الإنسان كل شيء، لكنه يتذكر وجهًا، وصوتًا، وطريقًا، وبرد ليلة، وكلمة قالها رفيق، ولحظة وداع.
ومن هنا يقترب النص من جوهر الأدب؛ فالأدب لا يسأل فقط: ماذا حدث؟ بل يسأل أيضًا: ماذا بقي مما حدث؟
وهذا هو السؤال العميق الذي يظل حاضرًا خلف صفحات الكتاب.
المكان… حين تتحول الجغرافيا إلى وجدان
خط القنال في الكتاب ليس مجرد موقع عسكري؛ إنه مكان محمّل بالمعنى.
الرمل ليس رملًا فحسب، والبرد ليس مجرد حالة جوية، والليل ليس غياب الشمس، والطريق ليس طريقًا.
كل هذه العناصر تتحول إلى أوعية للذاكرة.
وهنا تنجح الكاتبة في أنسنة المكان؛ فتغدو الأرض شاهدة، والطريق شاهدًا، والصمت شاهدًا، وكأن الطبيعة نفسها تحفظ ما عجزت الكلمات عن الاحتفاظ به.
إن الكتاب يجعل الجغرافيا ذاكرة، والتاريخ إحساسًا.
الجندي… من الرمز إلى الإنسان
من أجمل جوانب الكتاب أنه لا يقدم الجندي باعتباره رمزًا مجردًا للبطولة، بل يستعيد إنسانيته أولًا.
إنه إنسان يتعب ويشتاق ويخاف ويفكر وينتظر، ثم يؤدي واجبه.
وهنا تصبح البطولة أكثر صدقًا؛ لأن البطولة ليست غياب الخوف، وإنما ألا يسمح الإنسان للخوف بأن يهزمه.
كلما اقتربنا من إنسانية الجندي، أصبح تقديرنا لتضحيته أكبر.
ومن هنا تأتي قيمة الكتاب في حديثه عن الجيش؛ فهو لا يكتفي بالاحتفاء بالمؤسسة العسكرية، وإنما يكشف الإنسان الذي يقف خلف الزي والرتبة والواجب.
الصمت الذي تحول إلى كتابة
هناك في النص إحساس واضح بأن بعض الحكايات تأخرت في الوصول إلى الورق، وأن بعض الأصوات ظلت معلقة في الصدر سنوات طويلة.
وهنا تتحول الكتابة إلى استنطاق للصمت.
فما لم يستطع الإنسان قوله في لحظته، قد يستطيع قوله بعد سنوات، عندما تهدأ صدمة التجربة ويصبح قادرًا على النظر إليها من مسافة الذاكرة.
ولهذا فإن الكتاب ليس تسجيلًا لما حدث فقط، بل محاولة لإنقاذ ما كاد يضيع من المشاعر المصاحبة لما حدث.
بين الفرد والتاريخ… حين يصبح الخاص عامًا
يتحرك الكتاب في المسافة الدقيقة بين الذاكرة الفردية والتاريخ الجمعي.
فالإنسان يعيش تجربته بوصفها تجربة شخصية، لكن التاريخ يراها جزءًا من مسيرة وطن.
وعندما تلتقي التجربتان، يصبح الجندي الفرد جزءًا من حكاية الوطن، ويصبح الوطن حاضرًا في سيرة الإنسان.
وهذه إحدى أهم نقاط القوة الأدبية في العمل:
الفرد ← الذاكرة ← الجماعة ← الوطن ← التاريخ.
إنها دائرة يتحول فيها الخاص إلى عام، والذكرى الشخصية إلى ذاكرة وطنية.
عبير العربي… عين الإعلام وقلب الأدب
تظهر الخبرة الإعلامية لعبير العربي في قدرتها على التقاط المشهد والتفاصيل، لكنها في هذا العمل لا تكتفي بعين الإعلام؛ هناك قلب كاتبة يبحث عن المعنى.
يمكن اختصار تجربتها في ثلاث كلمات:
عين ترصد، وذاكرة تستعيد، وقلب يؤوّل.
العين ترى التفاصيل، والذاكرة تحفظها، والأدب يمنحها دلالتها.
وهذا ما يجعل الكتاب يتجاوز التقرير والتوثيق إلى مساحة أكثر رحابة، حيث يلتقي أدب الذاكرة بأدب الشهادة والأدب الوطني.
الوطنية… حين تصبح إحساسًا لا شعارًا
الحس الوطني لدى عبير العربي لا يظهر في العبارات وحدها، وإنما في البنية الشعورية للعمل.
فالوطن ليس شعارًا مكررًا، بل حضورًا خلف كل مشهد.
نراه في الجندي الذي يصبر، والرفيق الذي يساند رفيقه، والأسرة التي تنتظر، وفي الطريق الذي بقي شاهدًا على زمن استثنائي.
وهنا يصبح الأدب قادرًا على أن يجعلنا نشعر بقيمة الوطن بدل أن يخبرنا بها فقط.
أما الجيش، فيظهر باعتباره مدرسة للواجب والانضباط والصبر، لكن الكتاب يظل حريصًا على تذكيرنا بأن وراء هذه القيم رجالًا من لحم ودم، عاشوا التعب والانتظار والخوف، ثم وضعوا واجبهم فوق كل شيء.
وهذا هو الوجه الأكثر إنسانية للبطولة.
الكتابة… مقاومة للنسيان
ربما تكون أعمق دلالات الكتاب أن الكتابة فيه تصبح فعلًا من أفعال مقاومة النسيان.
فقد تبقى التواريخ وتضيع الوجوه، وتبقى أسماء الأحداث وتختفي أصوات البشر، وتبقى المعارك بينما تنسى الأجيال تفاصيل الأيام التي عاشها من كانوا في قلبها.
وهنا تأتي أهمية العمل؛ فهو لا يحاول أن يحفظ فقط ما حدث، وإنما يحاول أن يحفظ كيف كان الإنسان يشعر وهو يعيش ما حدث.
وهذه قيمة أدبية وتاريخية في آن واحد.
حين ينتصر الأدب للذاكرة
إن القيمة الحقيقية لكتاب «حين صار الطريق ذاكرة» لا تكمن فقط في موضوعه الوطني، ولا في استعادته لتجربة عسكرية، وإنما في قدرته على تحويل هذه التجربة إلى حكاية إنسانية ذات عمق أدبي.
فالكتاب يقول لنا إن التاريخ لا تصنعه الأحداث وحدها، بل تصنعه ذاكرة البشر الذين عاشوا تلك الأحداث.
وأن الجندي ليس رقمًا في سجل.
وأن الطريق ليس مجرد طريق.
وأن الثلاثين يومًا ليست ثلاثين يومًا فقط.
وأن الوطن ليس شعارًا.
وأن الذاكرة ليست ماضيًا.
كلها تلتقي في معنى واحد:
الإنسان حين يصبح جزءًا من تاريخ وطنه، والوطن حين يصبح جزءًا من ذاكرة الإنسان.
وهنا تبلغ تجربة الدكتورة الإعلامية عبير العربي قوتها؛ فهي لا تكتب فقط عن الماضي، وإنما تكتب ضد النسيان، ولا تحتفي بالجيش عبر المديح المباشر وحده، بل تكشف من خلال الإنسان والتجربة لماذا ظل الجيش حاضرًا في الوجدان الوطني.
إنها كتابة وفاء، وذاكرة، ووطن.
وفي زمن تتسارع فيه الأيام حتى تكاد تبتلع ذاكرتها، تأتي مثل هذه الكتب لتقول إن بعض الطرق لا تنتهي عند آخر خطوة، وبعض الأيام لا تنتهي عند آخر ليلة، وبعض الرجال لا يغادرون التاريخ حتى لو غادروا المكان.
فحين صار الطريق ذاكرة، لم تعد الحكاية عن طريق قطعه الرجال، بل عن رجال تركوا على الطريق جزءًا من أرواحهم، وتركوا في ذاكرة الوطن أثرًا لا ينبغي أن يزول.