ثمة آباء لا تنتهي حكايتهم بانتهاء أعوامهم، لأنهم يتركون في أبنائهم ما هو أبقى من الذكريات. يتركون قيمًا تسكن الشخصية، ونصائح تتحول مع مرور الزمن إلى بوصلة، وحضورًا لا يحتاج إلى أن يكون مرئيًا كي يبقى مؤثرًا. ومن هذا المعنى يمكن قراءة علاقة الإعلامية والباحثة ميساء عبد الخالق بوالدها؛ علاقة يختلط فيها الحب بالامتنان، وتتحول فيها الذكرى إلى وفاء مستمر.
ولعل أجمل ما يكشف صدق هذا الوفاء تلك التفاصيل الصغيرة التي لا تحتاج إلى شرح. ففي مقابلة لها مؤخرًا، ظهرت ميساء وهي ترتدي قلادة تحمل صورة والدها. قد تبدو القلادة للعين مجرد قطعة بسيطة، لكنها بالنسبة إلى ابنة تحمل ذكرى أبيها أقرب إلى حضور صغير يرافقها أينما ذهبت. صورة معلقة بالقرب من القلب، وكأنها تقول إن بعض الأحبة، حتى حين يغيبون، يظل لهم مكان لا يطاله الغياب.
في تلك القلادة تختصر ميساء الكثير من الكلام. لم تكن بحاجة إلى خطاب طويل لتقول إن والدها ما زال حاضرًا في وجدانها؛ كانت الصورة كافية. صورة تحمل ملامحه، وتحمل معها سنوات من المحبة والذكريات، وربما أشياء كثيرة لا يعرفها إلا قلب الابنة.
الأب في حياة ابنته ليس مجرد سند في سنوات الطفولة، بل هو أحد الذين تتشكل على أيديهم ملامح الإنسان. منه تتعلم ابنته معنى الأمان، وتكتشف قيمة المسؤولية، وتتعرف إلى الحياة من خلال كلماته ومواقفه. وربما لا ندرك في حينها أهمية التفاصيل الصغيرة التي يمنحنا إياها الآباء، لكننا نكتشف لاحقًا أنها كانت من أثمن ما حملناه معنا إلى المستقبل.
وفي مسيرة ميساء عبد الخالق الإعلامية والبحثية، يبدو حضور الأب مرتبطًا بذلك الجانب العميق من تكوين الشخصية. فالإعلام والبحث ليسا مجرد مهنة، وإنما مسؤولية تجاه الكلمة والمعرفة والناس. وحين تحمل الابنة هذه المسؤولية، فإنها تحمل معها، بصورة أو بأخرى، شيئًا من التربية والقيم التي نشأت عليها.
والوفاء هنا لا يأخذ شكل الحنين وحده، بل يتحول إلى حضور يومي هادئ. قد يكون في كلمة تتذكرها، أو موقف تستعيده، أو قيمة تحرص على ألا تتخلى عنها. وقد يكون، ببساطة، في قلادة صغيرة تحمل صورة رجل لا تريد ابنته أن يكون بعيدًا عنها، حتى ولو أصبح حضوره من نوع آخر.
ولعل أجمل ما في هذه الصورة أن ميساء لم تضع ذكرى والدها خلفها، وإنما حملتها معها إلى حاضرها. فالإنسان لا يترك من يحبهم وراءه حين يمضي في حياته؛ يحملهم بطريقة مختلفة، في ذاكرته ووجدانه، وفي الأشياء التي تمنحه القوة حين يحتاج إليها.
ومع مرور السنوات، تصبح ذكريات الأب أكثر حضورًا. قد تعود صورة قديمة، أو جملة قيلت منذ زمن بعيد، أو موقف بسيط لم نكن نعرف قيمته وقت حدوثه، فتفتح في القلب بابًا واسعًا من الحنين. عندها ندرك أن بعض اللحظات العادية في ظاهرها كانت في الحقيقة أجزاء من عمر لن يتكرر.
وهنا تكمن خصوصية الوفاء الذي تحمله ميساء لوالدها؛ فهو ليس تعلقًا بالماضي، بل استمرار لما هو جميل فيه. أن تمضي إلى الأمام دون أن تنسى الجذور، وأن تحقق ذاتها وهي تحمل في داخلها تقديرًا لمن كان جزءًا من بداياتها.
ولذلك فإن صورة الأب التي تحملها ميساء حول عنقها تبدو وكأنها أكثر من ذكرى. إنها تذكير دائم بجذور المحبة، وبإنسان كان له مكانه في حياتها، وما زال له مكانه في قلبها.
هناك أشياء لا نستطيع أن نعيدها إلى الحياة، لكننا نستطيع أن نحافظ عليها في داخلنا. صورة، رسالة، صوت، قطعة صغيرة من الماضي… كلها تصبح مع الوقت جسورًا بيننا وبين من نحب.
وربما لهذا كانت تلك القلادة أبلغ من كثير من الكلمات. لأنها تقول ببساطة: أبي معي.
ومهما تغيرت الأيام، يبقى للأب مكان لا يشبهه مكان آخر. قد تتسع الحياة، وتتعدد النجاحات، وتتبدل المراحل، لكن صورة الأب الأول تظل ثابتة في زاوية عميقة من القلب.
وفي قصة ميساء عبد الخالق ووالدها، تختصر القلادة حكاية الوفاء كلها؛ ابنة تمضي في حياتها، تعمل وتبحث وتكتب وتظهر أمام الناس، لكنها تحمل بالقرب من قلبها صورة الرجل الذي كان جزءًا من بدايتها.
فالأب قد يغيب عن العين، لكنه حين يسكن القلب، لا يغيب أبدًا.
