رولى عبد القادر الذهيبي –
نعيشُ اليومَ في عصر مصاب بلوثة السطوح وقشور الأشياء؛ زمن انقلبت فيه المعايير الأخلاقية والإنسانية رأساً على عقب، وباتت تحكمه المظاهر الزائفة، والتعالي الطبقي، واللهاث المحموم وراء ألقاب ضخمة طنانة تُوزَّع بالمجان على موائد التزلف والمداهنة.
لقد أصبحنا في مجتمع تصيبُ فيه بعضهم “نرجسيةٌ مَرَضية” تجعله ينتفضُ غضباً إن خاطبته باسمه المجرد، بل وربما يمتعضُ إن قلت له “يا أستاذ” دون أن تسبق بديباجة عريضة من التفخيم المزيف! كأنَّ الاسم الذي وُلِد به عارٌ يتوارى منه، وكأنَّ جوهره الإنساني لا يكتمل إلا بحصانة شكلية تحميه من حقيقة فراغه الداخلي.
إنَّ هذا التهافت المخزي وإن دلَّ على شيء، فإنما يدلُّ على أننا بلغنا القاع في “عبادة المظاهر”. لقد استبدلنا القيمة بالواجهة، والأثر بالشهرة، والجوهر باللقب. ولعلها رسالة أخيرة لكل متضخم بالوهم: انزعوا عنكم هذه المسوح المستعارة، فالتاريخ والضمائر لا تذكرُ من كان يُنادى بـ”المبجّل”، بل تُخلِّد من كان، بحقٍّ، إنسانًا.
وهنا تحضرني صرخة واعية وواقعية أطلقها الأستاذ الدكتور نبيل عساف، واضعًا أصبعه على موضع الوجع والنفاق الجمعي؛ ومؤكّدًا في قراءته أنَّ القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بما يرتديه من دروع لفظية وألقاب فخرية، بل بما يحمله في روحه من مضمون أخلاقي، وعطاء حقيقي وإنسانية صرفة. فما نفع أن يحوز المرء أرفع الرتب، وهو فقير الخلق، خاوي الوفاض، ومفلس من أسمى معاني الرحمة والتواضع؟!
والمفارقة الأكثر سخرية وبؤسًا، تكمن في أنَّ هذه الهالات المصنوعة لا تخدع أحدًا. فالجميع يدرك في قرارة نفسه أنَّ فلانًا أو علانًا لا يستحقُّ ما يُلصق به من نعوت العظمة؛ وحين يمطرونه بتلك التبجيلات، فإنما يفعلون ذلك بسخرية مبطنة واستهزاء خفيّ خلف ظهورهم، أو حتى في مسمعهم بابتسامات صفراء ملؤها التهكُّم. والأنكى من ذلك، أنَّ هؤلاء المرضى بالظهور يصدقون الكذبة؛ ويسكرون بنشوة المدح الرخيص، غير مدركين أنهم باتوا أضحوكة في مسرح عبثي من النفاق الاجتماعي.
