لا تشكل السياسة الخارجية عادة العامل الرئيس الذي يحدد تصويت الأميركيين في الانتخابات النصفية، إلا أن دورة 2026 تبدو مختلفة، مع تداخل تداعيات الأزمات الخارجية مع القضايا الداخلية. تكشف القضايا التي تناولها المرشحون في الانتخابات النصفية في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ونتائج هذه الانتخابات، وكذلك استطلاعات رأي الجمهور على أن إيران والقضية الفلسطينية أصبحتا عاملين إضافيين تقاطعا مع المنافسة الداخلية؛ الأولى من خلال كلفتها الاقتصادية، ورفض غالبية الناخبين للعمل العسكري؛ والثانية من خلال التحول الملموس في اتجاهات الرأي العام تجاه إسرائيل والفلسطينيين. وقد تؤثر تلك التطورات على نتائج الانتخابات النصفية في تشرين الثاني المقبل، بالتزامن مع تراجع تقييم أداء السياسة الخارجية، وتقدم الديمقراطيين في استطلاعات التصويت للكونغرس.
ولم تعد تداعيات الحرب الإيرانية محصورة في السياسة الخارجية، بل امتدت إلى الاقتصاد وتكاليف المعيشة، وهي القضايا الأكثر حضوراً في حسابات الناخب الأميركي. انعكست آثار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران على أسعار الطاقة والتضخم والفائدة في الولايات المتحدة وتراجعت ثقة المستهلكين إلى أدنى مستوياتها. عارض60% من الناخبين العمل العسكري الأميركي ضد إيران، وفق استطلاع أجرته Quinnipiac في تموز الماضي. ولم يوافق سوى 29% على طريقة تعامل ترامب مع الملف الإيراني، وفق استطلاع لـ Reuters/Ipsos في حزيران الماضي.
في المقابل، سجل الموقف من إسرائيل وغزة تحولاً ملحوظاً في مواقف الأميركيين وفي استطلاعات الرأي، وترك ذلك بصماته على مواقف المرشحين والناخبين في الانتخابات النصفية. بات 41% من الأميركيين أكثر تعاطفاً مع الفلسطينيين مقابل 36% مع الإسرائيليين، وفق استطلاع لـغالوب أجري في شباط من العام الجاري، بعد أن كانت النسبة في 2024 تميل بوضوح إلى الإسرائيليين. فيما يرى48% من الناخبين أن الولايات المتحدة تقدم دعماً أكبر من اللازم لإسرائيل، وفق استطلاع أجرته Quinnipiac University بين 18 و22 حزيران الماضي.
ويمكن تتبع تلك التطورات في الساحة الأميركية من خلال تحليل مجريات انتخابات الكونغرس التمهيدية لعام 2026، كالقضايا التي ركز عليها المرشحون ونتائج الانتخابات، في محاولة لاستشراف نتائج الانتخابات النصفية القادمة. وشهدت انتخابات الكونغرس التمهيدية لعام 2026 ترشح 2,497 شخصاً لمقاعد الكونغرس، البالغة 470 مقعداً، منها جميع مقاعد مجلس النواب الـ 435 ، إضافة إلى 35 مقعداً في مجلس الشيوخ، منها 33 من الفئة الثانية وانتخابان خاصان في أوهايو وفلوريدا. وتنافس 2,232 مرشحاً على مقاعد مجلس النواب، و265 مرشحاً على مقاعد مجلس الشيوخ، وهو العدد الأكبر لمرشحي مجلس النواب، والثالث الأعلى لمجلس الشيوخ منذ العام 2014 . وشهدت الدورة 547 انتخابات تمهيدية تنافسية، منها 272 ديمقراطية و209 جمهورية و66 بنظام «Top-two» ، الذي لا توجد فيه انتخابات تمهيدية منفصلة لكل حزب؛ فجميع المرشحين يدخلون اقتراعًا واحدًا، ويتأهل صاحبا أعلى نتيجتين إلى الانتخابات العامة بصرف النظر عن انتمائهما الحزبي.
يركز تحليل نتائج انتخابات 2026 على الدوائر الأكثر تنافسية لمجلس النواب ومجلس الشيوخ والأقرب للانتقال بين الحزبين، بما قد يكشف عن مؤشرات التغير في موازين القوى داخل الحزبين. في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري لمجلس النواب العام 2024 ، شكل مرشحو تيار«MAGA» (لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى) نحو 46% من المرشحين، مقابل 35% للمحافظين التقليديين و9% للجمهوريين المعتدلين. في السباقات التنافسية لعام 2026 ، وفي الدوائر الأكثر تنافسية، تفوق المحافظون التقليديون والمعتدلون، وفاز مرشحو MAGA بنحو 26.7% فقط في المراكز التنافسية. ورغم ذلك فاز أكثر من 92% من المرشحين الذين أيدهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تلك الدوائر. تعكس تلك النتائج استمرار قوة تأييد ترامب، رغم محدودية نجاح مرشحي MAGA . وبتلك النتائج في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، يدخل الحزب الانتخابات النصفية في شهر تشرين الثاني المقبل في الولايات المتأرجحة بتركيبة تعكس بروز المرشحين التقليديين أو المعتدلين، بما يختلف عن نتائج الانتخابات التمهيدية قبل عامين والتي عكست بروز تيار MAGA.
في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في العام 2024 فاز التيار الرئيس، فشكّل الأغلبية بنسبة 67% ، متفوقاً على 30% من التقدميين، بينما ظل الديمقراطيون الاشتراكيون هامشيين. في السباقات التنافسية لعام 2026 ، وفي الدوائر الأكثر تنافسية لم يواصل التيار الرئيس تفوقه فقط، بل انخفضت أيضاً نسبة فوز التقدميين، الذين حصدوا فقط 17.8% في هذه الانتخابات، وبقي مرشحو الاشتراكيين الديمقراطيين هامشيين. عكست هذه النتائج الأخيرة نمطاً من الفائزين الديمقراطيين تركز خطابهم على القضايا الاقتصادية والطبقة العاملة وتكاليف المعيشة، وليس بالضرورة الانتقال الأيديولوجي نحو اليسار. تتقاطع نتائج الحزبين في 2026 في أكثر الدوائر والولايات تنافساً في تفوق الأجنحة الرئيسية والأقل أيديولوجية داخل الحزبين، على أساس قابلية الفوز في الانتخابات العامة لجذب ناخبين يتجاوزون القاعدة الأيديولوجية الصلبة لكل حزب.
تشكل القضايا التي طرحها المرشحون الفائزون في الانتخابات التمهيدية الأخيرة في كلا الحزبين مفصلا مهما لتحديد أولويات ناخبي كل حزب، وموجها مهما لاستشراف أولويات الناخبين في الانتخابات النصفية القادمة. كان الجمهوريون أكثر تأييدًا لإسرائيل من الديمقراطيين، في حين كان دعمهم للمساعدات العسكرية والاقتصادية لأوكرانيا أقل.
في خطاب المرشحين الجمهوريين، برزت قضايا مثل الهجرة والأمن والحدود بصورة أكبر. ولم يدافع عن أداء الإدارة في ملف الاقتصاد وتكاليف المعيشة سوى 23.5% من المرشحين الجمهوريين في الولايات المتأرجحة أو الخلافية، ولم يقر أي منهم بوجود قصور في تعامل الإدارة مع هذا الملف. وفي ملف الرعاية الصحية، تجاهله نحو نصف الجمهوريين، بينما ركز معظم من تناولوه على ضبط الإنفاق. وارتبط النجاح في السباقات التنافسية في الولايات المتأرجحة بمزيج من تأييد ترامب، وقابلية الفوز، بتجنب طرح بعض المواقف الأيديولوجية التي قد تضيّق قاعدة القبول.
في خطاب المرشحين الديمقراطيين، ظهرت مواضيع كالاقتصاد وتكاليف المعيشة، فشكلت قضية الاقتصاد الأولوية، خصوصًا القدرة على تحمل تكاليف المعيشة. تناول نحو 56% من المرشحين الديمقراطيين التضخم، وغالبيتهم استخدمته لمهاجمة أداء إدارة ترامب. وتناول 94% من المرشحين الديمقراطيين قضية الرعاية الصحية في حملاتهم الانتخابية. وفي الدوائر التنافسية لم يتبنَّ المرشحون الديمقراطيون سياسة «الحدود المفتوحة»، ولم يدعُ أحد إلى سحب التمويل من الشرطة، كما تجنب كثيرون المواقف الأكثر إثارة للانقسام، مثل قضايا المتحولين جنسيًا. وفي الهجرة، القلة التي اتخذت مواقف أكثر محافظة حققت نتائج جيدة. وحقق مرشحون تقدميون مدعومون من زهران ممداني، في دوائر انتخابية تنافسية آمنة للحزب، انتصارات على المرشحين الآخرين بخطاب أكثر يسارية تناول عدم المساواة الاقتصادية والهجرة والقضية الفلسطينية وفرض ضرائب أكبر على الأثرياء. كشف ذلك عن اختلاف القضايا القادرة على حسم الانتخابات التمهيدية للأحزاب باختلاف الطبيعة الانتخابية للدائرة.
برز تأييد ترامب عاملًا قويًا في نتائج المرشحين الجمهوريين، بينما برز الاقتصاد وتكاليف المعيشة والرعاية الصحية في خطاب المرشحين الديمقراطيين. وفي كلا الحزبين، حاول المرشحون في السباقات التنافسية الجمع بين القضايا التي تحرك قاعدة الحزب والقدرة على جذب الناخب المتأرجح.
تظهر استطلاعات Pew لعام 2026 أن الهجرة غير القانونية والأمن والجريمة تميز أولويات الجمهوريين بصورة واضحة عن الديمقراطيين. في استطلاع Reuters/Ipsos خلال الشهر الجاري، أيد 79% من الجمهوريين تعامل ترامب مع الهجرة، وهو يكشف فجوة بين توجهات القاعدة الجمهورية والجمهور العام؛ إذ لم يؤيد سياسة ترامب في الهجرة سوى 36% من الأميركيين عمومًا، مقابل 55% عارضوها. تتركز أولويات الديمقراطيين بدرجة أكبر في تكاليف المعيشة والرعاية الصحية، والعنف المسلح والمناخ، وفق استطلاع Pew، بينما لم تعتبر الهجرة غير القانونية مشكلة كبيرة جدًا سوى 17% منهم. يشكل الاقتصاد وتكاليف المعيشة والرعاية الصحية مخاوف واسعة لدى الجمهور الأميركي كله، وليس فقط لدى الجمهور الديمقراطي. أما في سياسة الرعاية الصحية، فكانت هناك أفضلية واضحة للديمقراطيين وصلت إلى 42% مقابل 28% للجمهوريين، وكذلك في قضايا المناخ والإجهاض والتعليم، والتي تتقاطع مع تأييد الجمهور العام، بينما مال رأي الجمهور الأميركي لموقف الجمهوريين بوضوح في قضية الجريمة، وبنسبة أقل في موضوع الهجرة.
قد يفسر ذلك ميل المزاج الانتخابي العام في البلاد خلال الأشهر الأخيرة نحو الحزب الديمقراطي في الانتخابات النصفية القادمة. أعطى استطلاع Reuters/Ipsos منتصف الشهر الجاري الديمقراطيين 44% مقابل 37% للجمهوريين. وفي الاستطلاع نفسه انخفضت شعبية ترامب إلى 32%. وفي37 دائرة متأرجحة لمجلس النواب، أشار استطلاع لـ Cook Political Report أُجري بين 8 و11 أيلول، أن الديمقراطيين يتقدمون بـ 49% مقابل 47% في الاقتراع العام. وكان ترامب قد فاز في هذه الدوائر مجتمعة في العام 2024.
تتركز أشد المنافسات على مقاعد مجلس الشيوخ في الانتخابات القادمة على سبعة مقاعد، في ألاسكا، وآيوا، ومين، وميتشيغان، ونيوهامبشير، وأوهايو، وتكساس، ويسيطر الجمهوريون حالياً على خمس منها. يميل الوضع الحالي لمجلس الشيوخ للجمهوريين بـ 53 مقعداً مقابل 45 للديمقراطيين، إلى جانب مرشحين يصوتان لجانب الديمقراطيين. ويضع ذلك الجمهوريين في موقع الدفاع عن العدد الأكبر من المقاعد شديدة التنافس، في وقت تظهر فيه استطلاعات أواخر أيلول تقدماً ديمقراطياً في عدد من السباقات المتأرجحة. وبذلك أصبحت معركة السيطرة على مجلس الشيوخ أكثر تنافسية، وإن كانت الاستطلاعات الحالية لا تكفي لحسم الحزب الذي سينتهي إليه المجلس في الانتخابات.
لا تزال القضايا الداخلية تتقدم في وزنها الانتخابي؛ إذ اعتبر 70% من الناخبين تكلفة المعيشة مهمة لتصويتهم في انتخابات مجلس النواب، مقابل 59% للرعاية الصحية و57% للهجرة و41% للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، وفق استطلاع Quinnipiac University الوطني الصادر في 24 حزيران 2026. لذلك لا تشير استطلاعات الرأي إلى أن السياسة الخارجية حلت محل الاقتصاد بوصفه محدداً رئيسياً للانتخابات، لكنها تكشف أن إيران والقضية الفلسطينية أصبحتا عاملين لا يمكن إغفالهما أو عزل أثرهما في هذه الانتخابات.
