Table of Contents
في فضاء تتقاطع فيه الثقافات وتتجاوز فيه الحكايات حدود الجغرافيا، حضرت السينما السويسرية في الدورة الـ38 من مهرجان الفيلم الأوروبي في الأردن، لتؤكد أن الشاشة الكبيرة ليست مجرد مساحة لعرض الأفلام، بل منصة نابضة للحوار الثقافي، وتبادل الأفكار، واكتشاف الآخر من خلال لغة الفن.
وجاءت المشاركة السويسرية لتمنح الجمهور الأردني نافذة على عالم سينمائي ثري، يجمع بين جماليات السرد، وروح الفكاهة، وعمق التجربة الإنسانية، والخصوصية الثقافية. ومن خلال الفيلم المعروض، وجد المشاهد نفسه أمام تجربة تتجاوز حدود القصة والشخصيات، لتقدم صورة عن مجتمع وثقافة وطريقة مختلفة في النظر إلى الإنسان والحياة.
وتكمن قوة السينما السويسرية في قدرتها على تحويل التفاصيل اليومية إلى حكايات تحمل أبعاداً إنسانية واسعة؛ فالاختلاف الثقافي لا يظهر فيها بوصفه حاجزاً، بل يتحول إلى فرصة للتأمل والتقارب. وبين المشهد والآخر، تؤكد السينما أن ما يبدو مختلفاً في اللغة أو العادات أو أساليب التعبير قد يحمل في جوهره مشاعر وتجارب إنسانية مشتركة.
السينما… جسر بين الثقافات
وتكتسب المشاركة السويسرية في مهرجان الفيلم الأوروبي أهمية خاصة في ظل الدور المتنامي للثقافة كجسر للتواصل بين الشعوب. فالمهرجانات السينمائية لا تكتفي بعرض الإنتاج الفني، وإنما تفتح مساحات للتعرف على التجارب الوطنية المختلفة، وتمنح الجمهور فرصة لاكتشاف أوروبا بتعددها وتنوعها، بعيداً عن الصور النمطية.
وفي هذا السياق، جاءت السينما السويسرية حاملة معها خصوصية بلد يتميز بتنوعه الثقافي واللغوي، لتقدم نموذجاً فنياً يعكس هذا الثراء، ويبرهن على أن التعدد يمكن أن يكون مصدراً للإبداع، وأن الاختلاف قادر على إنتاج قصص أكثر ثراءً واتساعاً.
لقد أثبتت هذه المشاركة أن الفيلم الجيد لا يحتاج إلى حدود مشتركة كي يصل إلى القلب؛ فالحكاية الإنسانية قادرة على عبور اللغات والثقافات، والوصول إلى جمهور قد يختلف في بيئته وتفاصيل حياته، لكنه يلتقي مع صناع الفيلم في المشاعر والأسئلة والتجارب الإنسانية.
احتفاء أوروبي بالتنوع
وتأتي المشاركة السويسرية ضمن مشهد أوروبي واسع تحتفي به الدورة الـ38 من مهرجان الفيلم الأوروبي في الأردن، حيث تتحول عمّان خلال أيام المهرجان إلى مساحة نابضة بالحوار السينمائي والثقافي، تلتقي فيها مدارس وتجارب سينمائية متعددة تحت مظلة واحدة.
ومن هنا، تتجاوز أهمية الحضور السويسري مجرد عرض فيلم، لتصبح احتفاءً بالتنوع الثقافي وبقوة الفنون في بناء جسور التفاهم. فالسينما حين تفتح أبوابها أمام ثقافات متعددة، فإنها تفتح في الوقت ذاته أبواباً جديدة للحوار، وتمنح الجمهور فرصة لرؤية العالم من زوايا مختلفة.
وفي عمّان، المدينة التي لطالما احتضنت التنوع الثقافي والفني، وجدت السينما السويسرية مساحة طبيعية لتقديم تجربتها، في لقاء يجمع الفن الأوروبي بالجمهور الأردني، ويؤكد أن الثقافة تظل واحدة من أكثر اللغات قدرة على التقريب بين الشعوب.
حكاية سويسرية… ورسالة عالمية
لم يكن حضور سويسرا في المهرجان مجرد مناسبة سينمائية عابرة، بل كان تأكيداً على المكانة التي تحتلها الثقافة والفنون في بناء جسور التواصل. ومن خلال الشاشة، انتقلت تفاصيل من الحياة والثقافة السويسرية إلى عمّان، لتلتقي بحكايات الجمهور وذاكرته وأسئلته.
وهكذا، تواصل السينما أداء دورها بوصفها لغة عالمية للحوار والتقارب؛ لغة لا تلغي الاختلاف، بل تحتفي به، ولا تطلب من الثقافات أن تتشابه، بل تمنحها مساحة لأن تتعارف وتتحاور وتكتشف نقاط الالتقاء بينها.
وفي ختام هذا الحضور المميز، تبقى الصورة الأجمل هي تلك التي صنعتها السينما نفسها: جمهور يجتمع حول قصة، وثقافات تلتقي أمام شاشة واحدة، وفن يثبت مرة أخرى أن أجمل ما في الاختلاف هو أنه يمنحنا فرصة لاكتشاف عالم أوسع.
من عمّان، كانت السينما السويسرية ضيفاً ثقافياً يحمل قصة من قلب أوروبا، لكن رسالتها كانت أوسع من حدودها: الفن يجمع، والثقافة تقرّب، والسينما قادرة على أن تجعل من الاختلاف جسراً نحو فهم أعمق للإنسان.



