بقلم: رلى عبدالقادر الذهيبي
من أكثر المشاهد إثارة للشفقة في يومياتنا، أن تصادف شخصاً قرر فجأة أن “يُجرّب ذكاءه عليك؛ يرسم خطة ملتوية يراوغ في الحديث، وينتظر بنشوة أن تنطلي عليك الحيلة، متوهماً بجهل تام أن الطرف المقابل ساذج لا يفقه ما يُحاك له
الحقيقة القاسية التي يتجاهلها هؤلاء هي أن الصمت لا يعني الغفلة، والتغافل ليس دليلاً على الغباء. حين تمارس مكرك الصغير على شخص واعٍ، ثم يقابلك بهدوء، لا تتوهم أنك خدعته؛ فقط انظر بتركيز في عينيه، ستجد نظرة سخرية صامتة وضحكة مكتومة تدرك تماماً أنك مجرد مدّعٍ تائه، وأن الصدفة أو الموقف الزائف هما فقط من منحاك وهماً بأنك متفوق
تتقاطع هذه الحالة بدقة مع ما سرده الدكتور نبيل عساف في رمزيته الفلسفية الساخرة بعنوان “تجربة حمار”، إذ يلفت الانتباه إلى كارثة التكلف وادعاء المعرفة، وكيف أن خروج المرء عن حقيقته لمحاولة التذاكي والاستعراض لا يجلب له سوى “الزهو الفارغ والاستعلاء المنهك” ليتحول من حالته الطبيعية إلى “جاهل مدّعٍ بإرادته وتدبيره”، مثيراً شفقة واستهزاء كل من حوله
الذكاء الحقيقي أدب وبصيرة، أما التذاكي واستغباء الناس فهو الحماقة في أوضح تجلياتها. لا أحد يملك احتكار الفطنة ومن يظن أنه قادر على التلاعب بعقول الآخرين دون أن يُكشف ليس سوى ممثل فاشل على مسرح يعرف كل رواده نهايته مسبقاً. فلا تستغبوا الناس، لأن من تحسبه صيداً سهلاً، غالباً ما يراك حماراً رسمياً بكامل إرادته وزينته
وعلى هؤلاء المستغبين أن يدركوا حقيقة لا مفر منها: هذا المسرح الهزلي له نهاية، ونهايته لن تكون سوى سقوط مدوٍّ أشبه بالرماد. لعبة التذاكي والخداع حبلها قصير جداً، ويوم تنكشف الأقنعة ستكون الخاتمة مهينة لمعنوياتك ووجودك الزائف؛ يومها ستخسر كل ما توهمت أنك بنيته، وستفقد كل ما حاولت امتلاكه بالالتواء والمكر، من احترام، ومكانة، وناس وثقوا بك يوماً
من يعيش على استغفال الآخرين لا يحصد في النهاية سوى الخيبة والعزلة التامة، فالدوام ليس للمكر، بل لجوهر الإنسان وصدقه. وحين يرتد كيدك إلى نحرك، لن تجد حولك سوى صدى خساراتك المتتالية، لتدرك بعد فوات الأوان أنك لم تكن تمارس الدهاء على أحد، بل كنت تمهد بيديك لنهاية بائسة تجردك من كل شيء.
