تأتي زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى فرنسا وجمهورية التشيك، ثم مشاركته في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، لتعكس حضور الأردن الدولي، وحرصه على حماية أمن واستقرار المنطقة، ودوره في دعم جهود التعامل مع الأزمات الإقليمية والدولية.
في نيويورك في اجتماع الأمم المتحدة وضع جلالة الملك أمام المجتمع الدولي رؤية الأردن تجاه الأزمات التي تشهدها المنطقة والعالم، وكانت القضية الفلسطينية في صلب الخطاب الملكي، انطلاقًا من حقيقة، أن استمرار إدارة الصراع من دون الوصول إلى حل سياسي شامل ودائم لم يعد كافيًا.
وقد أكد جلالة الملك ضرورة إنهاء الصراع على أساس حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، ووقف الإجراءات التي تزيد من تعقيد الواقع الراهن، وفي مقدمتها الاستيطان والتهجير. مع التأكيد على مكانة القدس وضرورة الحفاظ على هويتها ومقدساتها، وعلى الدور الأردني التاريخي في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية فيها.
ولم يكن الطرح في خطاب الملك عبدالله الثاني سياسيًا فقط، بل حمل أيضًا بعدًا إنسانيًا واضحًا. فالمعاناة الإنسانية لا يمكن أن تتحول إلى مشهد معتاد، ولا يمكن أن يصبح استمرار الحرب والدمار والتهجير أمرًا يتعايش معه المجتمع الدولي وكأنه واقع لا يمكن تغييره.
ومن هنا جاءت الدعوة إلى أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤوليته في حماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية، والعمل على إنهاء دوامة العنف، وتهيئة الظروف التي تسمح بالوصول إلى سلام حقيقي ومستدام.
ومن النقاط التي تستحق التوقف عندها في الخطاب الملكي التحذير من خطر الاعتياد على الأزمات. فمع طول أمد الحروب، قد تتحول المآسي الإنسانية تدريجيًا إلى أخبار يومية روتينية، يفقد معها المجتمع الدولي جزءًا من قدرته على الاستجابة الفاعلة.
وفي هذا الإطار، أكد جلالة الملك أهمية القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والمؤسسات متعددة الأطراف، مشددًا على أن مصداقية النظام الدولي ترتبط بقدرته على تطبيق القواعد التي يقوم عليها بصورة متسقة، وعدم التعامل مع القرارات والقوانين الدولية بمعايير مزدوجة.
ومن خلال الخطاب الملكي، يمكن ملاحظة أن السياسة الخارجية الأردنية تتحرك على أكثر من مستوى في الوقت نفسه: حماية الأمن الوطني، ودعم الاستقرار الإقليمي، والمساهمة في إيجاد حلول سياسية للأزمات، وبناء الشراكات الدولية، والدفاع عن القضية الفلسطينية والقدس، إلى جانب المشاركة في الجهود الإنسانية والتنموية.
ويعكس ذلك طبيعة الدور الذي يحاول الأردن القيام به في محيط إقليمي شديد التعقيد.
كما أن تعزيز القدرات الاقتصادية والتكنولوجية والدفاعية والأمنية، ومواجهة الإرهاب والتهريب، والحفاظ على التعددية والتعايش الديني، والاستمرار في تحمل المسؤوليات تجاه اللاجئين والقضايا الإنسانية، كلها ملفات ترتبط في النهاية بمفهوم أوسع للأمن والاستقرار.
وفي نهاية المطاف، تتحرك الدبلوماسية الأردنية في اتجاهات متعددة، لكنها تلتقي عند هدف أساسي: حماية الأردن، وتعزيز أمنه واستقراره، والإسهام، قدر الإمكان، في بناء بيئة إقليمية ودولية أكثر أمنًا واستقرارًا، مع استمرار الدفاع عن القضية الفلسطينية والقدس والقضايا الإنسانية.
حفظ الله الأردن، وأدام عليه أمنه واستقراره.
