ثمّة كاتبات يكتبن بالكلمات، وثمّة كاتبات تكتبهنّ الكلمات.
وثمّة نصوص تمرّ على القلب كنسمة، وأخرى تدخل إليه كالسيف؛ تفتح جرحًا قديمًا، وتوقظ سؤالًا نائمًا، ثم تمضي تاركةً القارئ وجهًا لوجه أمام نفسه.
عنان المحروس من هذا الطراز.
امرأة لا تبدو وهي تكتب كمن يبحث عن جملة جميلة، بل كمن يبحث عن حقيقة، ولو كانت الحقيقة موجعة. تحمل اللغة إلى أقصى احتمالاتها، ثم تتركها مشتعلة بين يدي القارئ.
هي لا تكتب من هامش الحياة، بل من قلبها.
ومن قلبها تأتي النار.
في نصوصها لا تكون اللغة زينةً معلّقة على جدار المعنى؛ اللغة هي المعنى نفسه، وهي الجرح والصرخة والبوح. ولهذا تبدو كتابتها مشبعةً بذلك التوتر النادر بين الرقة والعنف، بين امرأة تعرف كيف تحب، وكيف تتألم، وكيف تحوّل الألم إلى جمال لا يستأذن أحدًا.
عنان لا تخاف من المناطق المعتمة في الروح.
تدخلها.
تفتش فيها.
وتخرج منها محمّلةً بأسئلة لا تنطفئ.
وهنا تكمن قوة تجربتها؛ فهي لا تمنح القارئ نصًا ليقرأه وينساه، بل تترك فيه شيئًا من ارتباكها، شيئًا من أسئلتها، وربما شيئًا من نارها.
وفي زمن كثرت فيه الكتابة حتى تشابهت الأصوات، تبقى قيمة الكاتب في أن يمتلك صوته الخاص.
وعنان تمتلك صوتًا.
صوتًا يعرف كيف يكون أنثويًا دون أن يُختزل في الأنوثة، وإنسانيًا دون أن يفقد خصوصيته، شعريًا دون أن يتكلف الشعر، وسرديًا دون أن يتنازل عن دهشة اللغة.
إنها لا تكتب لتملأ الصفحات.
إنها تكتب لتترك أثرًا.
ولهذا تستحق أن يُكتب عنها.
ليس مجاملةً لكاتبة، بل احتفاءً بتجربة تعرف أن الأدب الحقيقي لا يُقاس بعدد الكلمات، وإنما بقدرته على أن يبقى حيًا بعد أن تُغلق الصفحة.
عنان المحروس…
اكتبي.
دعي اللغة تحترق قليلًا.
فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الكلمات الآمنة؛
إنه يحتاج إلى كاتبة تجرؤ أن تقول الحقيقة،
ثم تتركها تمشي حافيةً بين الناس.
وهذا بالضبط ما تفعله عنان.
تكتب… كأن في صدرها قصيدة، وفي يدها عود ثقاب.