يفرض الموقع الجغرافي للأردن نفسه عنصراً مهماً في إعادة رسم مسارات الطاقة والتجارة في المنطقة، خصوصاً مع تنامي الحاجة إلى ممرات بديلة وأكثر تنوعاً تربط المملكة بالعراق والخليج وسوريا وتركيا وأوروبا والبحر المتوسط، وتكتسب هذه الأهمية زخماً إضافياً في ضوء التحولات التي تشهدها حركة التجارة والطاقة الإقليمية، وما فرضته اضطرابات الملاحة وارتفاع تكاليف الشحن والحاجة إلى تنويع مسارات الإمداد، وقد أظهر أحدث تقييم لصندوق النقد الدولي أن الاقتصاد الأردني حافظ على استقراره رغم هذه الضغوط، وأن نشاط النقل والخدمات اللوجستية عبر ميناء العقبة مرشح للارتفاع نتيجة زيادة الطلب الإقليمي على المسارات البديلة، بما يمكن أن يعوض جانباً من آثار اضطرابات الحرب.
وفي هذا السياق، يبرز دور الأردن في مسارين متكاملين، الأول يتعلق بالعراق، من خلال توفير منفذ لتوريد واستيراد احتياجاته وتصدير نفطه وتجارتـه، والثاني يتعلق بإمكان تحول المملكة إلى جزء من ممر إقليمي بديل لحركة الطاقة والتجارة القادمة من الخليج باتجاه أوروبا عبر وسوريا وتركيا، وصولاً إلى الأسواق الأوروبية أو موانئ البحر المتوسط، الأمر الذي يجعلنا أمام فرصة اقتصادية يمكن البناء عليها لتعزيز دور المملكة في حركة التجارة والطاقة.
ففي المسار العراقي، يمتلك الأردن أهمية مباشرة بوصفه ممراً يربط العراق بالأسواق الخارجية وبالبحر الأحمر، من خلال ميناء العقبة وشبكة الطرق البرية التي تصل المملكة بالأراضي العراقية، ويتيح هذا الموقع تطوير حركة التجارة ونقل النفط والسلع بين البلدين، سواء من خلال توريد احتياجات العراق من السلع عبر الأراضي والموانئ الأردنية، أو عبر تمكين العراق من تصدير جزء من موارده النفطية من خلال العقبة، بما يوفر له منفذاً إضافياً ويعزز تنوع خياراته التجارية والتصديرية، كما أن تنامي الصادرات الأردنية إلى العراق وسوريا ودول الخليج، إلى جانب نمو الصادرات الأردنية إلى الأسواق الأوروبية، يعكس اتساع الطلب على الروابط التجارية الإقليمية.
وتفتح مشاريع الربط بين الأردن والعراق، وفي مقدمتها مشاريع خطوط النفط والطرق والسكك الحديدية، المجال أمام بناء ممر اقتصادي أكثر تكاملاً يخدم حركة التجارة والبضائع والطاقة بين البلدين، فكلما تطورت شبكة الربط، ازدادت قدرة الأردن على أداء دور الوسيط اللوجستي الذي يستقبل السلع والطاقة ويعيد توزيعها، وازدادت في الوقت نفسه قدرة العراق على تنويع منافذه التجارية والتصديرية، بما يجعل العلاقة بين البلدين قائمة على مصالح اقتصادية مباشرة ومتبادلة.
أما المسار الثاني، فيحمل أبعاداً إقليمية أوسع، إذ يمكن للأردن أن يشكل حلقة مركزية في ممر بديل لحركة الطاقة والتجارة من الخليج نحو أوروبا، عبر سوريا وتركيا، وصولاً إلى الأسواق الأوروبية، أو عبر ربط هذه الشبكة بموانئ البحر المتوسط، وتزداد أهمية هذا المسار مع الحاجة إلى تنويع طرق نقل النفط والغاز والبضائع وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، بحيث تصبح الممرات البرية الممتدة من الخليج والمشرق عبر الأردن إلى سوريا وتركيا وأوروبا جزءاً من منظومة أوسع لتأمين حركة التجارة والطاقة.
وتظهر أهمية هذا الدور بصورة أوضح في ضوء ما سجلته حركة التجارة عبر العقبة، حيث أشارت تقارير حديثة إلى ارتفاع أحجام المناولة في ميناء العقبة مع إعادة توجيه جزء من التدفقات التجارية الإقليمية، وهو ما يتقاطع مع تقييم صندوق النقد الدولي الذي توقع زيادة نشاط النقل والخدمات اللوجستية عبر العقبة نتيجة ارتفاع الطلب الإقليمي على المسارات البديلة في ظل اضطرابات الملاحة المرتبطة بمضيق هرمز.
هذا الواقع يمنح الأردن فرصة للاستفادة من شبكات النقل الإقليمية المتنامية، وتطوير ممرات برية وسككية عبر أراضيه، وتأهيل البنية التحتية اللازمة لنقل الطاقة والبضائع، بما في ذلك خطوط أنابيب النفط والغاز، كما يمكن لميناء العقبة أن يؤدي دوراً محورياً في استقبال الطاقة والسلع وتصديرها وربطها بشبكات النقل البرية المتجهة شرقاً وشمالاً، لتتحول المملكة إلى حلقة وصل مع العراق وكذلك بين الخليج وسوريا وتركيا وأوروبا والبحر المتوسط من جهة أخرى.
وتتوافق هذه الفرصة مع النظرة الدولية للاقتصاد الأردني، إذ أكد صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد سجل نمواً بنسبة 2.8 بالمئة في 2025، رغم الظروف الإقليمية، وأن النمو المتوقع لعام 2026 يبلغ 2.7 بالمئة قبل أن يرتفع إلى 3.1 بالمئة في 2027، مدعوماً بإطلاق مشاريع بنية تحتية كبيرة، من بينها مشاريع مرتبطة بالعقبة والربط السككي، كما أشار الصندوق إلى أن الصادرات السلعية الأردنية نمت بنسبة 10.1 بالمئة، مدفوعة بارتفاع الطلب من دول الخليج والعراق وسوريا والأسواق الأوروبية.
ويستند نجاح هذه الرؤية إلى جملة من المقومات، في مقدمتها الموقع الاستراتيجي للأردن، وشبكة الطرق والمنافذ الحدودية، وميناء العقبة، وإمكانات تطوير الربط السككي، إضافة إلى المشاريع الإقليمية التي تربط الأردن بالعراق وسوريا وتركيا والأسواق الأوروبية، كما أن الاهتمام الخليجي بتنويع مسارات تصدير الطاقة، والحاجة العراقية إلى منافذ تجارية وتصديرية متعددة، والاهتمام السوري والتركي بتوسيع ممرات النقل والتجارة، توفر مصالح مشتركة يمكن للأردن البناء عليها لتعزيز دوره الاقتصادي.
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى ممرات فاعلة ومستدامة يحتاج إلى استثمارات كبيرة في البنية التحتية، ورفع كفاءة شبكات النقل والسكك الحديدية، وتأمين خطوط الطاقة، وتطوير البيئة القانونية والتنظيمية، إلى جانب توفير ضمانات واضحة للمستثمرين وتنفيذ مشاريع الربط على أساس تعاون إقليمي طويل الأمد، كما يحتاج الأمر إلى بناء منظومة متكاملة لا تكتفي بمرور السلع والطاقة عبر المملكة، وإنما تزيد القيمة المضافة داخل الاقتصاد الأردني من خلال التخزين والمناولة والخدمات اللوجستية والصناعات المرتبطة بالنقل والطاقة.
في المحصلة، تتوزع أهمية الأردن بين دور مباشر في خدمة العراق، من خلال توريد احتياجاته وتوفير مسار لتصدير نفطه وتجارتـه عبر الأراضي الأردنية وميناء العقبة، ودور إقليمي أوسع في بناء ممر بديل لحركة الطاقة والتجارة من الخليج باتجاه أوروبا عبر سوريا وتركيا والبحر المتوسط، وتؤكد التطورات الاقتصادية الأخيرة أن هذا الدور يمكن أن يتحول إلى منفعة فعلية، خصوصاً مع ارتفاع الطلب على المسارات البديلة وتزايد أهمية العقبة في حركة التجارة الإقليمية، وهنا تكمن فرصة الأردن في تحويل موقعه الجغرافي إلى قيمة اقتصادية واستراتيجية، وتعظيم المنافع من حركة الطاقة والتجارة، وترسيخ مكانته كممر آمن وموثوق للعراق، وكحلقة وصل بين الخليج والمشرق وسوريا وتركيا وأوروبا.
