حين يكتب الرجال عن الرجال، تكون للكلمة هيبتها، وللموقف وزنه، وللوطن في الحديث مقامه الذي يليق به.
وهكذا جاء مقال سعادة النائب محمد المحارمة؛ حديث رجلٍ يعرف قدر الدولة، ويعي مكانة الجيش العربي المصطفوي، ويقرأ المشهد بعين رجلٍ يدرك أن المؤسسة العسكرية ليست موقعاً عابراً ولا عنواناً لمناسبة، بل تاريخ وطنٍ كامل، وعقيدة راسخة، وأمانة تتوارثها الأجيال.
لقد كان المحارمة موفقاً إلى أبعد الحدود حين وضع الحقيقة في كلمات واضحة لا تحتمل التأويل: تسليم القيادة ليس رحيل قائد ومجيء قائد، بل تسليم أمانة وانتقال راية من يدٍ أمينة إلى يدٍ أمينة.
وهنا تكمن عظمة الجيش العربي المصطفوي. فالرجال يتعاقبون، والمواقع تتبدل، والمسؤوليات تنتقل، لكن العقيدة لا تتغير، والقسم لا يُنسى، والراية لا تسقط، والأردن يبقى أولاً.
فالجيش لا يقوم على الأشخاص وحدهم، بل على مؤسسةٍ راسخة صنعتها التضحيات، وحمتها العقيدة، وصانها الانضباط، وتوارث رجالها معنى الوفاء جيلاً بعد جيل.
يتغير القائد… ولا تتغير العقيدة.
تنتقل المسؤولية… ولا تضيع الأمانة.
تتعاقب الأجيال… ولا ينكسر العهد.
تنتقل الراية… لكنها لا تنزل.
وهذه هي مدرسة الرجال التي تحدث عنها المحارمة؛ مدرسة لا تعرف المساومة عندما يتعلق الأمر بالوطن، ولا ترى في الرتبة امتيازاً، ولا في الموقع مكسباً، بل ترى في كل ذلك تكليفاً وشرفاً وقسماً ومسؤولية.
ومن ارتدى البدلة العسكرية يوماً يعرف أنها ليست لباساً، وأن النجوم على الأكتاف ليست زينة، وأن الموقع ليس وجاهة؛ إنها أمانة وطن، وتاريخ رجال، وتضحيات شهداء.
ولهذا فإن من سلّم الراية لم يغادر المسيرة، ومن تسلّمها لم يبدأها من الصفر.
الأول أدى الأمانة، والثاني حملها.
الأول حفظ العهد، والثاني واصل العهد.
والاثنان أبناء مدرسة واحدة، وجيش واحد، ووطن واحد.
وهنا تحديداً تتجلى قوة المؤسسة العسكرية الأردنية؛ فهي أكبر من الأشخاص، وأبقى من المواقع، وأرسخ من الظروف.
والراية الأردنية ليست قطعة قماش ترفرف في السماء؛ إنها سيادة وطن، وكرامة شعب، وذاكرة شهداء، وقسم رجال.
ومن يحرسها يحرس معنى الأردن نفسه.
لقد أحسن محمد المحارمة حين أعاد وضع الأمور في نصابها، وأكد أن هناك قضايا قد تختلف فيها الآراء والاجتهادات، لكن عندما يتعلق الأمر بالأردن وجيشه وأمنه واستقراره، فإن الوطن فوق الحسابات، والمؤسسة فوق الأشخاص، والراية فوق كل اعتبار.
ولهذا نقول لرجال قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية، وللعاملين والمتقاعدين، ولكل من حمل شرف الخدمة:
أنتم لستم صفحةً في تاريخ الجيش… أنتم تاريخٌ يمشي على الأرض.
ونقول لمن سلّم المسؤولية:
أديت الأمانة، فلك التحية.
ونقول لمن تسلّمها:
الراية بين يديك… فكن على قدرها.
فلا نهاية في جيشٍ مسيرته ممتدة، ولا رحيل من وطنٍ عاش الرجل عمره في خدمته.
إنها مسيرة واحدة، وراية واحدة، وقسم واحد.
رجالٌ يتعاقبون… والجيش باقٍ.
قادةٌ يسلّمون… والأمانة باقية.
رايةٌ تنتقل… والعهد لا ينكسر.
أجيالٌ تسلّم أجيالاً… والأردن باقٍ شامخاً عزيزاً.
فكل التحية للنائب محمد المحارمة على كلماتٍ تليق بجلال المناسبة، وعلى موقفٍ يرفع قيمة الخطاب الوطني عندما يكون الحديث عن الجيش والوطن والرجال.
حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وسمو ولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وحفظ جيشنا العربي المصطفوي وأجهزتنا الأمنية ورجالها وشهداءها.
رايتنا مرفوعة…
عهدنا ثابت…
جيشنا باقٍ…
والأردن أولاً… وأبداً.
