في زمنٍ تتبدّل فيه الوجوه الإعلامية سريعًا، وتصبح الشهرة في كثير من الأحيان غايةً بحد ذاتها، تبرز أسماء اختارت طريقًا مختلفًا؛ طريق المهنة أولًا، والالتزام قبل الأضواء، والعمل الهادئ الذي يترك أثره بعيدًا عن صخب المنابر.
من بين هذه الأسماء يظهر اسم لإعلامية والصحافية اللبنانية سمر ضو، التي استطاعت على امتداد سنوات طويلة أن ترسم لنفسها حضورًا مهنيًا لافتًا في المشهد الإعلامي العربي، وأن تجعل من تجربتها في وكالة الأنباء القطرية «قنا» نموذجًا لمسيرة تقوم على المهنية والانضباط والإيمان بدور الإعلام.
ليست قيمة سمر ضو في عدد السنوات التي أمضتها في ميدان الصحافة فحسب، بل في الطريقة التي عاشت بها هذه السنوات. فالمهنة بالنسبة إليها لم تكن وظيفة تؤدى، بل مسؤولية تُحمل، وأمانة تُصان، ورسالة تحتاج إلى معرفة ودقة ووعي دائم بتحولات العصر.
من لبنان إلى فضاء الإعلام العربي
تحمل سمر ضو معها إلى تجربتها القطرية خلفية لبنانية غنية بالتنوع الثقافي والإعلامي. ولبنان، بما يمتلكه من تقاليد صحفية عريقة ومساحة واسعة للحوار وتعدد الآراء، كان بيئة طبيعية لصقل شخصية إعلامية تؤمن بقوة الكلمة وأهمية التواصل مع الناس.
وفي قطر، وجدت تجربتها المهنية فضاءً أوسع للتطور، من خلال عملها في وكالة الأنباء القطرية، إحدى المؤسسات الإعلامية الرسمية التي تضطلع بدور مهم في نقل الأخبار والمعلومات ومواكبة الأحداث المحلية والعربية والدولية.
وعلى مدى ما يقارب ربع قرن من العمل في «قنا»، لم تكن سمر ضو مجرد صحافية تؤدي مهامها اليومية، بل أصبحت جزءًا من الذاكرة المهنية للمؤسسة، وراكمت خبرة واسعة في العمل التحريري وأساليب صياغة الأخبار والتعامل مع المادة الصحفية.
23 عامًا من العطاء.. الرقم الذي يختصر الكثير ولا يروي كل الحكاية
عندما يُقال إن إعلامية أمضت أكثر من عقدين في مؤسسة إعلامية واحدة، فإن الرقم وحده يستحق التوقف عنده.
فـ23 عامًا من العمل الصحفي تعني آلاف الأخبار، ومئات الملفات، وساعات طويلة خلف الكواليس، ومواكبة متواصلة لتحولات السياسة والمجتمع والتكنولوجيا والإعلام.
لكن الأهم أن الاستمرار في مؤسسة إعلامية بهذا الحجم طوال هذه المدة لا يتحقق بالسنوات وحدها، بل بالكفاءة والقدرة على التطور ومواكبة المتغيرات.
وهنا تكمن إحدى أبرز نقاط قوة تجربة سمر ضو: الاستمرارية التي لم تكن جمودًا، بل تطورًا متواصلًا.
فالإعلام تغير بصورة جذرية خلال السنوات التي قضتها في المهنة؛ من الصحافة التقليدية إلى الإعلام الرقمي، ومن دورة الخبر البطيئة إلى الأخبار المتسارعة، ومن وسائل الاتصال التقليدية إلى وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي.
وفي قلب هذه التحولات، حافظت على حضورها المهني، وطورت أدواتها، وانتقلت من موقع الصحافية إلى أدوار تحريرية وتدريبية تعكس تراكم الخبرة.
عندما تتحول الخبرة إلى معرفة تُمنح للآخرين
من أجمل ما يمكن أن يفعله الإعلامي بعد سنوات طويلة من العمل أن يحوّل خبرته إلى معرفة يستفيد منها الجيل الجديد.
وهذا جانب مهم في تجربة سمر ضو.
فإلى جانب عملها التحريري، ارتبط اسمها بتدريب الموظفين الجدد في وكالة الأنباء القطرية، وتعريفهم بأساليب العمل الصحفي والسياسات التحريرية وآليات التعامل مع الخبر.
وهنا تصبح الخبرة أكثر من مجرد سجل وظيفي؛ تصبح إرثًا مهنيًا ينتقل من جيل إلى جيل.
فالإعلام الحقيقي لا يُقاس فقط بما يكتبه الصحفي، وإنما أيضًا بما يتركه في زملائه وطلابه ومن يعملون معه.
وأن تكون الصحافية قادرة على تدريب الآخرين بعد سنوات من العمل، فهذا يعني أنها لم تكتفِ بممارسة المهنة، بل امتلكت فهمًا عميقًا لتفاصيلها وقواعدها وأخلاقياتها.
إعلامية لا تنفصل عن مجتمعها
ورغم أن مسيرتها المهنية ارتبطت بصورة أساسية بقطر ووكالة الأنباء القطرية، فإن حضور سمر ضو لم ينقطع عن لبنان.
فقد شاركت في نشاطات وندوات ذات طابع إعلامي وتربوي وثقافي، وتناولت موضوعات تتصل بالإعلام الجديد ووسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها في المجتمع.
وهذا الحضور يعكس فهمًا يتجاوز حدود غرفة الأخبار؛ فهمًا لدور الإعلام في تشكيل الوعي، ولخطورة الرسالة الإعلامية حين تتعامل مع جمهور يعيش في عالم تتدفق فيه المعلومات بلا توقف.
لقد أدركت مبكرًا أن الصحافة لم تعد مجرد نقل للخبر، وأن مسؤولية الإعلامي في العصر الرقمي أصبحت أكثر تعقيدًا: التحقق، والتفسير، والسياق، والوعي بتأثير الكلمة.
سمر ضو.. مدرسة في «الإعلام الهادئ»
ربما تكون أجمل صفة يمكن أن تُمنح لإعلامية قضت سنوات طويلة في المهنة هي أنها لم تجعل من نفسها قصةً أكبر من قصص الناس التي تكتب عنها.
وفي زمن أصبح فيه الحضور الشخصي أحيانًا يطغى على قيمة المحتوى، تبدو تجربة سمر ضو أقرب إلى نموذج الإعلامي الذي يترك عمله يتحدث عنه.
وهذا النوع من الإعلاميين قد لا يكون الأكثر ظهورًا على الشاشات، لكنه غالبًا الأكثر تأثيرًا داخل المؤسسات الإعلامية.
إنهم أولئك الذين يعرفون أن الخبر الجيد يحتاج إلى دقة، وأن الكلمة مسؤولية، وأن المؤسسة الإعلامية لا تبنى بالنجومية وحدها، وإنما بالخبرة والانضباط والعمل الجماعي.
تكريم مسيرة.. وتكريم معنى
حين تُكرَّم سمر ضو بعد سنوات طويلة من العمل، فإن التكريم لا يصبح مجرد احتفاء بشخص.
إنه احتفاء بقيمة الوفاء للمهنة.
فالعمل الإعلامي من أكثر المهن التي تتطلب قدرة مستمرة على التجدد، ومع ذلك فإن الاحتفاظ بالشغف نفسه بعد أكثر من عقدين هو إنجاز بحد ذاته.
وفي هذا السياق، تصبح مسيرتها رسالة إلى الإعلاميين الشباب: النجاح ليس دائمًا في الوصول السريع إلى الواجهة، وإنما في بناء اسم مهني يحظى بالثقة والاحترام مع مرور السنوات.
تستحق أن يُكتب عنها
تستحق سمر ضو أن يُكتب عنها، ليس لأنها تبحث عن الأضواء، بل ربما لأنها واحدة من أولئك الذين يعملون طويلًا في صناعة الضوء للآخرين.
تستحق أن يُكتب عنها لأن وراء كل مؤسسة إعلامية ناجحة أسماءً قد لا يعرفها الجمهور الواسع، لكنها تعرف جيدًا كيف تُصنع الأخبار، وكيف تُراجع الكلمات، وكيف يُحافظ على المهنية في أصعب الظروف.
وتستحق أن يُكتب عنها لأن الإعلام العربي يحتاج إلى الاحتفاء ليس فقط بالنجوم الذين يظهرون أمام الكاميرات، وإنما أيضًا بالصحفيين والمحررين والمدربين الذين يصنعون المحتوى من خلف الكواليس، ويؤسسون لأجيال جديدة من الإعلاميين.
سمر ضو ليست مجرد اسم في سجل العاملين في الإعلام؛ إنها تجربة مهنية لبنانية عربية امتدت لأكثر من عقدين، وتجسّد قيمة نادرة في زمن السرعة: أن تبني حضورك بالعمل، وتحافظ على احترامك بالمهنية، وتترك أثرًا في الآخرين بالمعرفة.
وفي النهاية، قد تنتهي الكلمات، وقد تتغير المؤسسات والمنصات والتقنيات، لكن يبقى شيء واحد لا يتغير:
الإعلامي الحقيقي هو من يترك خلفه أثرًا مهنيًا وإنسانيًا يتجاوز عدد الأخبار التي كتبها، وعدد السنوات التي عملها.
وهذا بالضبط ما يجعل من تجربة سمر ضو تجربة تستحق التقدير، وتستحق أن تُروى، وتستحق قبل كل شيء أن تُقرأ بوصفها قصة وفاء لمهنة اختارتها، فأعطتها من عمرها وخبرتها الكثير.
