في حوار بصري يعبر آلاف السنين، تنتقل النقوش الصفائية من صخور البازلت في بادية الأردن إلى فضاء الفن المعاصر في جنيف، حيث تقدم الفنانة التشكيلية الأردنية العالمية، روان العدوان تجربتها الجديدة بعنوان «صفاة.. إشارة تزهر»، في معرض شخصي يحتفي بالذاكرة والهوية والطبيعة والابتكار، ويعيد قراءة إرث المكان بلغة تشكيلية حديثة تتداخل فيها العلامة باللون، والحجر بالضوء، والماضي بالحاضر.
واستضاف غاليري Cars and Arts في مدينة جنيف السويسرية، الخميس الماضي، المعرض الشخصي للعدوان، الذي ضم أكثر من واحد وثلاثين عملاً فنياً بأحجام وقياسات مختلفة، نفذت بألوان الأكريليك والزيت، إلى جانب تقنيات وخامات متنوعة أسهمت في إثراء السطح التشكيلي ومنحت الأعمال حضوراً بصرياً خاصاً.
ولا يقتصر المعرض على تقديم لوحات تُرى بالعين، بل يسعى إلى الكشف عما يكمن خلف الصورة من طبقات ورموز، والإشارة إلى الذاكرة المتراكمة عبر الزمن، والقصص التي تنتقل من جيل إلى آخر. ومن خلال هذه التجربة، تدعو العدوان المتلقي إلى الدخول في عالم يصبح فيه الحجر إشارة، وتتفتح فيه الإشارة لتتحول إلى لغة بصرية نابضة بالحياة.

#image_title
واستوحت الفنانة جانباً أساسياً من أعمالها من النقوش الصفائية في الأردن، وتحديداً من العلامات والرموز المحفورة على الصخور البازلتية في منطقة الصفاوي في البادية الشمالية الشرقية من المملكة. وترى العدوان في هذه النقوش أصواتاً حية ورسائل عابرة للزمن تركها الأجداد، في محاولة للإبقاء على آثارهم وحضورهم في ذاكرة الأجيال.
وفي رؤيتها الفنية، لا تمثل تلك الرموز علامات صامتة، بل تشكل دليلاً على الوجود، وتعبيراً عن الصمود والإبداع والأمل في أن تتذكر الأجيال القادمة أصحابها وإرثهم. ومن هنا، تعيد العدوان صياغة هذه العلامات ضمن أعمال معاصرة، فتمنحها سياقاً بصرياً جديداً من دون أن تفقد صلتها بجذورها التاريخية والحضارية.
وتتحول النقوش في أعمالها من مجرد آثار محفورة على الصخور إلى مفردات تشكيلية مفتوحة على التأويل؛ فالخط والعلامة والفراغ والملمس تتداخل لتصنع لغة تستحضر الماضي، لكنها لا تتوقف عنده، بل تدفعه إلى فضاء معاصر يتفاعل مع الحاضر.
من الأردن إلى سويسرا.. حوار بين الأرض والسماء
وفي موازاة هذا الحضور التاريخي، تأثرت الفنانة بجمال الطبيعة السويسرية، بما تحمله من جبال وضوء وتضاريس ومناظر طبيعية. وانعكس هذا التأثير في أعمالها من خلال الإحساس بقوة الطبيعة ورقتها في آن واحد؛ فالحجر والثلج والسماء وتغير الفصول تتجاور في لوحاتها كما لو أنها أجزاء من لوحة فسيفسائية، تتناغم فيها العناصر لتروي حكاية المكان والإنسان.

#image_title
ويغني تنوع الثقافات والبيئات تجربة الفنان ويمنحها آفاقاً أوسع، وهو ما ينعكس بوضوح في تجربة العدوان التي تشكلت رؤيتها الفنية في الأردن، ثم تطورت خلال تجربتها في إنجلترا وسويسرا. ومن هذه المواقع المختلفة، تتفتح أعمالها على حوار مستمر بين عوالم متعددة: الماضي والحاضر، والتقاليد والابتكار، والأرض والسماء.
ولا تقدم الفنانة هذه العناصر بوصفها ثنائيات متعارضة، بل تراها مكونات متجاورة تتفاعل فيما بينها لتشكيل لغة فنية معاصرة ذات جذور عميقة، قادرة على الانتقال من خصوصية المكان إلى أفق إنساني أكثر اتساعاً.
طبقات الزمن على سطح اللوحة
تبني العدوان لوحاتها طبقة فوق طبقة، في محاكاة لطريقة تشكل الطبيعة وتراكم الزمن على سطحها. وتترك لكل سطح فرصة لأن يتنفس ويتشقق، كي يظهر جزء من أسراره المدفونة، فيتحول الأثر إلى فن معاصر بروح جديدة.
ومن خلال الملمس واللون والحركة، تنشئ الفنانة عالماً بصرياً مختلفاً لكنه متناغم، حيث يمكن للذاكرة أن تخرج من الحجر لتتكلم، وللعلامة القديمة أن تستعيد حضورها من خلال لغة تجريدية حديثة.
وتصف العدوان اختيار ألوانها بأنه يقوم على ما تسميه «الألوان المعاصرة العتيقة»؛ وهي ألوان تجمع بين أثر الأرض وروح التعبير الحديث. ويبدو هذا التوجه واضحاً في أعمالها التي تستحضر دفء التراب وقدم الحجر، لكنها تقدمها ضمن معالجة معاصرة تعتمد على التجريد والرموز والتراكم والتجريب في الخامة والملمس.
الفن والسيارات.. حوار بين التصميم والحركة
ويكتسب حضور أعمال العدوان في غاليري Cars and Arts دلالة خاصة بالنسبة إلى تجربتها، إذ يلتقي الفن التشكيلي في هذا الفضاء مع عالم السيارات، في حوار يجمع بين التصميم والحركة والابتكار والسعي إلى الجمال.
وبدا هذا التقاطع منسجماً مع طبيعة تجربة العدوان نفسها، التي تقوم على تحويل العناصر المادية إلى إشارات ودلالات، وعلى الجمع بين الإرث القديم والرؤية الحديثة. فكما تتحول المادة في أعمالها إلى معنى، تتحول عناصر التصميم والحركة في فضاء الغاليري إلى جزء من حوار بصري أوسع حول الجمال والابتكار.
كما تأثر الطابع العام للمعرض بخصوصية مدينة جنيف ومحيطها الثقافي والطبيعي؛ فبحيرة جنيف ونافورتها الشهيرة وقرب جبال الألب، إلى جانب ما تتميز به المدينة من حضور ثقافي وجمالي، شكلت عناصر ملهمة في تجربتها الفنية، وجعلت الأعمال تبدو في حوار مفتوح مع المكان وتاريخه وطبيعته.
حضور إلى جانب أسماء فنية عالمية
وحقق المعرض اهتماماً ملحوظاً من الزوار والمتابعين، الذين وجدوا في أعمال روان العدوان تجربة تجمع بين البعد الجمالي والعمق الإنساني والابتكار. ويعكس هذا الحضور قدرة الفنانة على تقديم لغة تشكيلية خاصة تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، وتصل إلى المتلقي من خلال اللون والملمس والرمز.
وعُرضت أعمال العدوان إلى جانب أعمال عدد من الفنانين العالميين، ومن بينهم الفنان الأميركي المعروف جيف كونز (Jeff Koons)، بما أتاح لأعمالها الدخول في حوار بصري مع تجارب فنية بارزة تنتمي إلى اتجاهات وأساليب مختلفة، وأضفى على مشاركتها بعداً دولياً لافتاً.
وفي هذا السياق، استمدت أعمالها بعداً إضافياً، إذ تتجاور رؤيتها المستمدة من النقوش الصفائية والطبيعة الأردنية والسويسرية مع تجارب فنية معاصرة متعددة، في فضاء يحتفي بالاختلاف والابتكار والجمال.
ذاكرة محلية بلغة عالمية
وتؤكد تجربة العدوان أن الفن لا يقتصر على إبراز عناصر الجمال الظاهرة على السطح، بل يمكن أن يكون أداة للتعبير الإنساني، ووسيلة لفتح الطريق أمام الإبداع والابتكار والتفكير بما هو أعمق من المظهر الخارجي.
ففي أعمالها، تتحول الهوية والإرث الحضاري إلى مادة للحوار لا إلى حدود مغلقة، وتصبح الذاكرة المحلية جزءاً من خطاب فني قادر على التواصل مع العالم، بما يربط الماضي بالحاضر، والمكان بالإنسان، والإرث الحضاري بالثقافة العالمية.
يُذكر أن روان العدوان خريجة جامعة اليرموك، وقد أقامت العديد من المعارض الشخصية والجماعية في الأردن ودول أوروبية، كما حظيت أعمالها بتغطية وسائل إعلام دولية معروفة، من بينها Tribune de Genève وEuronews والجزيرة.
ويستمر عرض أعمالها في الغاليري لمدة شهر من تاريخ افتتاح المعرض، حيث يفتح أبوابه للمهتمين بالفن التشكيلي والزوار في موقعه الاستراتيجي المحاذي لبحيرة جنيف.
وهكذا، لا تقدم روان العدوان في «صفاة.. إشارة تزهر» مجرد معرض جديد، بل تقترح رحلة بصرية تنتقل فيها العلامة من الصخر إلى اللوحة، ومن الذاكرة إلى الحاضر، ومن خصوصية الأردن إلى فضاء جنيف، لتؤكد أن ما يُنقش على الحجر قد يظل حياً حين يجد لغة جديدة قادرة على أن تجعله يزهر.
هذه النسخة تصلح كمادة صحفية كاملة للنشر، والعنوان يعطيها مدخلاً ثقافياً أقوى من العنوان الإخباري التقليدي.
