إعداد : سمر ضو
ارتبط العلم منذ بداياته برغبة الإنسان في تسهيل حياته، من بناء الطرق ومعالجة الأمراض إلى اختصار الوقت والجهد. لكن التاريخ يعلمنا درسًا مكررًا: التقنية أداة محايدة، والإنسان هو من يوجهها لنفع مجتمعه أو إيذاء غيره.
تتجلى هذه المفارقة في قصة الكيميائي ألفرد نوبل. فعندما اخترع الديناميت عام 1867، كان هدفه جعل استخدام المتفجرات أكثر أمانًا في أعمال التعدين وحفر الأنفاق وشق الطرق، لكن الاختراع سرعان ما خرج من موقع البناء ليدخل الساحة العسكرية، ليدمر ما أراد نوبل أن يبنيه. ولا تختلف قصة الإنترنت كثيرًا من حيث المبدأ؛ فقد نشأت الشبكات الحاسوبية الحديثة في سياق بحثي وعسكري بهدف تحسين الاتصالات وتبادل المعلومات، ثم تحولت تدريجيًا إلى واحدة من أهم أدوات المعرفة والتواصل والتجارة والتعليم في العالم. ومع ذلك، أصبحت البيئة الرقمية نفسها مجالًا لجرائم إلكترونية واسعة النطاق، واختراق الحسابات، وسرقة البيانات، ونشر التضليل والاحتيال.
الصوت صوت الأم… والصورة صورتها، لكن الحقيقة غير ذلك
تخيّل أن أمًا تتصل بابنتها البالغة من العمر تسع سنوات، فتظهر على شاشة الهاتف صورتها، وتسمع الطفلة صوتها بوضوح، ثم تقول لها الأم: «حبيبتي، أريد منك أن تتركي المنزل الآن وتتوجهي إلى المكان الذي أخبرتك عنه، ولا تخبري أحدًا، أنا بانتظارك». بالنسبة إلى طفلة في التاسعة من عمرها، لا يوجد ما يدعو إلى الشك؛ فهي ترى وجه أمها وتسمع صوتها، ومن الطبيعي أن تثق بما تراه وتسمعه وأن تنفذ طلبها. لكن ماذا لو كانت الحقيقة مختلفة تمامًا؟ ماذا لو لم تكن الأم هي من اتصل، ولم يكن الصوت سوى نسخة رقمية مولدة بالذكاء الاصطناعي؟
في الطرف الآخر قد يكون شخصًا اخترق حسابات الأسرة أو جمع صورها وتسجيلاتها ومعلوماتها المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم استخدم أدوات متقدمة لاستنساخ صوت الأم ووجهها وطريقة حديثها، ليصنع مشهدًا يبدو حقيقيًا إلى درجة يصعب معها على طفلة صغيرة أن تدرك أنها تتعرض للخداع. وهنا تحديدًا تكمن خطورة التزييف العميق Deepfake ؛ فالمحتال لم يعد بحاجة إلى أن يتقمص شخصية غريبة حتى يقنع الضحية، بل أصبح قادرًا على تقليد الشخص الذي تثق به أكثر من أي شخص آخر.
أخطر عملية احتيال هي التي تستعير صوت من نثق به
ومن هنا يتغير مفهوم الأمن الرقمي؛ فالمشكلة لم تعد مقتصرة على حماية الأجهزة وكلمات المرور، وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا بحماية الهوية الرقمية والمعلومات الشخصية والصور والأصوات التي يمكن أن تتحول إلى أدوات في يد المحتال. وإذا كان الطفل في الماضي يتعلم ألا يفتح الباب لغريب، فعليه اليوم أن يتعلم أيضًا ألا ينفذ تعليمات شخص لمجرد أنه يسمع صوت أمه أو يرى صورتها على شاشة الهاتف. ولذلك يجب أن تضع الأسرة قواعد واضحة للتعامل مع الاتصالات والرسائل غير المعتادة، بحيث لا ينفذ الطفل أي طلب يتعلق بمغادرة المنزل أو الذهاب إلى مكان مجهول أو إعطاء معلومات شخصية أو إرسال أموال أو رموز تحقق، حتى لو بدا أن الطلب صادر عن أحد الوالدين.
وعند حدوث موقف من هذا النوع، تكون الخطوة الأولى هي التوقف وعدم الاستجابة للضغط أو الاستعجال، ثم محاولة التواصل مع الأم أو الأب من خلال وسيلة اتصال أخرى معروفة مسبقًا، أو اللجوء إلى شخص بالغ موثوق للتأكد من حقيقة الأمر.
وقد تبدو هذه الإجراءات للوهلة الأولى مبالغًا فيها، لكن اليوم أصبحت جزءًا من أبسط قواعد السلامة الرقمية .. ولهذا فإن أخطر ما يفعله التزييف العميق ليس سرقة الأموال أو اختراق الحسابات فحسب، بل سرقة الشيء الذي تقوم عليه العلاقات الإنسانية نفسها: الثقة. فالقاعدة التي كان الإنسان يعتمد عليها في الماضي، «رأيتُه وسمعتُه، إذن هو حقيقي»، لم تعد كافية في عصر الذكاء الاصطناعي، وأصبحت القاعدة الأكثر أمانًا هي : « توقف، تحقق، ثم صدّق .
لا نحتاج إلى الخوف من التكنولوجيا… بل إلى الوعي بها
ولهذا فإن التوعية لم تعد رفاهية، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من الأمن الرقمي داخل الأسرة والمجتمع. يجب أن يعرف الأبناء والآباء وكبار السن أن سماع صوت شخص يعرفونه أو رؤية صورته على شاشة الهاتف لا يعني بالضرورة أن الشخص نفسه هو المتصل . ومن هنا يجب أن تصبح هناك قاعدة بسيطة وواضحة داخل كل أسرة: إذا اتصل شخص وطلب مالًا أو معلومات حساسة أو رمز تحقق، أو طلب تنفيذ أمر بصورة عاجلة، فلا نستجيب مباشرة، بل نتوقف ونتأكد من هويته عبر قناة أخرى قبل أن نفعل أي شيء .
كلما اتسعت قوة التكنولوجيا .. اتسعت مسؤولية الإنسان
التاريخ لا يقول لنا إن علينا أن نتوقف عن الاختراع كلما ظهرت تقنية جديدة، بل يعلمنا أن التقدم العلمي كان ولا يزال أحد أهم أسباب تطور الحضارة الإنسانية، وأن المشكلة لا تكمن في المعرفة أو في القدرة التي تمنحها التكنولوجيا، وإنما في الطريقة التي يختار الإنسان استخدامها بها.
وكلما ازدادت قوة التكنولوجيا، ازدادت الحاجة إلى وعي يوازي هذه القوة، وإلى أخلاق تضبط استخدامها، وإلى تشريعات ومؤسسات تحمي المجتمع من إساءة توظيفها. ولهذا يمكن اختصار الدرس الذي يقدمه لنا تاريخ التكنولوجيا في قاعدة واحدة: كل قوة جديدة تحتاج إلى مسؤولية جديدة، وكل قدرة جديدة تحتاج إلى وعي جديد.
