كتب رئيس لجنة الطاقة والثروة المعدنية النيابية الدكتور أيمن أبو هنية
لا يمكن النظر إلى زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى جمهورية الصين الشعبية باعتبارها زيارة ثنائية تقليدية أو محطة بروتوكولية في مسار العلاقات بين البلدين وإنما هي خطوة استراتيجية تعكس رؤية ملكية بعيدة المدى في بناء شراكات دولية تخدم مصالح الأردن وتفتح أمام اقتصاده أسواقاً واستثمارات وتكنولوجيا وفرصاً جديدة
فالزيارة تأتي في توقيت بالغ الأهمية بعد عقد من الشراكة الاستراتيجية الأردنية الصينية وقبيل مرور خمسين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بما يؤكد أن العلاقة الأردنية الصينية دخلت مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من التعاون التقليدي إلى شراكة أكثر عمقاً واتساعاً تقوم على الاستثمار والإنتاج ونقل التكنولوجيا وتطوير البنية التحتية وتعزيز القدرات الوطنية
ويبرز في هذا السياق حرص جلالة الملك عبدالله الثاني بما يتمتع به من حكمة وبعد نظر وقراءة دقيقة للتحولات الاقتصادية والسياسية العالمية على البحث المستمر عن الفرص الأمثل للأردن وعدم الاكتفاء بالشراكات القائمة بل العمل على تطويرها وتحويلها إلى روافع حقيقية للاقتصاد الوطني.

#image_title
إن جلالة الملك لا ينظر إلى العلاقات الدولية من زاوية سياسية فقط وإنما يضع في مقدمة أولوياته مصالح الأردن الاقتصادية والتنموية وفتح الأبواب أمام الاستثمار وتعزيز تنافسية المملكة وتوفير فرص العمل لشبابها وزيادة قدرة الاقتصاد الوطني على النمو والإنتاج
الطاقة والتعدين في صلب الشراكة الأردنية الصينية المقبلة
وبصفتي رئيساً للجنة الطاقة والثروة المعدنية في مجلس النواب أرى أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد تعميقاً حقيقياً للتعاون الأردني الصيني في قطاع الطاقة والثروة المعدنية باعتبارهما من أهم القطاعات القادرة على إعادة تشكيل الاقتصاد الوطني ورفع قدرته الإنتاجية
فأمن الطاقة واستدامتها وخفض كلفتها لم تعد قضايا اقتصادية فحسب بل أصبحت جزءاً من الأمن الوطني والقدرة التنافسية للاقتصاد الأردني
والأردن يمتلك فرصاً كبيرة في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر وتخزين الطاقة وشبكات الكهرباء وكفاءة الطاقة والصناعات المرتبطة بها إضافة إلى الغاز الطبيعي والثروات المعدنية التي يمكن أن تشكل قاعدة لصناعات وطنية جديدة
وهنا يمكن للصين أن تكون شريكاً استراتيجياً ليس فقط في تمويل وتنفيذ المشاريع وإنما في نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة وبناء سلاسل توريد محلية وتدريب الكفاءات الأردنية
ونحن بحاجة إلى الانتقال من مرحلة استيراد التكنولوجيا والمعدات إلى مرحلة تصنيع جزء كبير منها داخل الأردن
صناعة الألواح الشمسية والبطاريات فرصة استراتيجية
ومن أهم المجالات التي يجب أن تحظى باهتمام خاص صناعة الألواح الشمسية ومكوناتها وصناعة البطاريات وأنظمة تخزين الطاقة
فالأردن يمتلك موارد طبيعية مهمة وموقعاً جغرافياً مناسباً وإمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية ويمكن أن ينتقل من كونه مستورداً للألواح والمعدات إلى تطوير قاعدة صناعية وطنية وإقليمية في هذا القطاع
والتعاون مع الشركات الصينية يمكن أن يفتح المجال أمام إنشاء مصانع لإنتاج الألواح الشمسية والخلايا والمكونات المرتبطة بها إضافة إلى تطوير صناعة البطاريات وأنظمة التخزين
وهذا الأمر مهم جداً لأن مستقبل الطاقة لن يعتمد فقط على إنتاج الكهرباء من الشمس والرياح وإنما على القدرة على تخزين هذه الطاقة وإدارتها بكفاءة واستخدامها في الأوقات التي يرتفع فيها الطلب
ومن هنا فإن إنشاء صناعة أردنية للبطاريات يمكن أن يتحول إلى مشروع وطني كبير يرتبط بالطاقة المتجددة والنقل الكهربائي والتخزين الصناعي وشبكات الكهرباء ويخلق فرص عمل نوعية للشباب الأردني
ولا بد أن يكون الهدف أبعد من مجرد إنشاء مصنع فالمطلوب بناء منظومة صناعية متكاملة تشمل البحث والتطوير والتصنيع والتجميع والصيانة وإعادة التدوير وتدريب الكفاءات وربط الجامعات ومراكز البحث العلمي بهذه الصناعة
السليكا ثروة وطنية يمكن أن تتحول إلى صناعة استراتيجية
ومن الملفات التي أرى ضرورة وضعها في صلب التعاون الأردني الصيني ملف السليكا
فالأردن يمتلك احتياطيات كبيرة من خامات السليكا ذات الجودة العالية وهذه الثروة يجب ألا تبقى في إطار استخراج الخام أو تصديره بل يجب أن تتحول إلى قاعدة لصناعات ذات قيمة مضافة مرتفعة
فالسليكا يمكن أن تدخل في صناعات عديدة تبدأ من الزجاج والصناعات الإنشائية ولا تنتهي عند الصناعات التكنولوجية المتقدمة والخلايا الشمسية والإلكترونيات والمواد المتطورة
والفرصة الحقيقية أمام الأردن هي إقامة صناعات تحويلية متقدمة للسليكا بدلاً من تصديرها كمادة خام
وهنا يمكن الاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا الصينية في بناء مصانع متخصصة لمعالجة السليكا ورفع نقاوتها وتحويلها إلى منتجات صناعية وتكنولوجية ذات قيمة عالية
وأعتقد أن إنشاء مجمع صناعي متكامل للسليكا يمكن أن يكون أحد المشاريع الاستراتيجية التي تستحق أن تدخل ضمن أجندة التعاون الأردني الصيني
فالهدف ليس بيع الثروة وإنما تحويلها إلى صناعة وإنتاج وصادرات وفرص عمل
من التعدين إلى الصناعات التعدينية
الأردن يمتلك أيضاً فرصاً واعدة في النحاس والفوسفات والبوتاس والسيليكا والرمال الزجاجية وغيرها من الثروات المعدنية
لكن القيمة الحقيقية لهذه الثروات لا تكمن في استخراجها فقط وإنما في تطوير الصناعات القائمة عليها
فبدلاً من تصدير الخام يجب أن نعمل على إقامة صناعات تحويلية محلية تنتج مواد وسيطة ومنتجات نهائية ذات قيمة مضافة
وفي قطاع النحاس على سبيل المثال يجب أن يكون التفكير في تطوير سلسلة متكاملة تبدأ من التعدين والمعالجة وتصل إلى الصناعات الكهربائية والمنتجات المعدنية
وفي الفوسفات والبوتاس يجب التوسع في الصناعات الكيماوية والأسمدة المتخصصة والمنتجات ذات القيمة المضافة
وهذا هو النموذج الذي يمكن أن يجعل قطاع التعدين أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي الأردني
الأردن من سوق مستهلك إلى مركز إنتاج
التحدي الحقيقي أمام الأردن ليس زيادة حجم التجارة مع الصين فقط وإنما تحسين طبيعة هذه العلاقة التجارية
نريد أن ننتقل من نموذج يستورد فيه الأردن كميات كبيرة من السلع إلى نموذج يقوم على الإنتاج المشترك والاستثمار والتصدير ونقل التكنولوجيا
وهذا يتطلب استقطاب استثمارات صينية نوعية إلى المملكة خصوصاً في قطاعات الطاقة والتعدين والصناعات الهندسية والصناعات التكنولوجية
ويجب أن ترتبط هذه الاستثمارات بالاقتصاد المحلي بحيث لا تكون مشاريع منفصلة وإنما جزءاً من منظومة إنتاجية تخلق فرص العمل وتزيد القيمة المضافة وترفع الناتج المحلي الإجمالي
فكل مشروع استثماري ناجح يجب أن يقاس ليس فقط بحجم رأس المال الذي يدخل المملكة وإنما بعدد فرص العمل التي يوفرها وحجم الإنتاج الذي يضيفه ونسبة المكون المحلي فيه ومدى مساهمته في نقل التكنولوجيا وزيادة الصادرات
المياه والطاقة والتكنولوجيا قطاعات متكاملة
كما أن التعاون الصيني في قطاع المياه يمكن أن يشكل فرصة مهمة للأردن في ظل تحديات شح المياه والحاجة إلى تطوير تقنيات التحلية والنقل والمعالجة وإعادة الاستخدام
وهنا يجب ألا ننظر إلى الطاقة والمياه والتكنولوجيا باعتبارها قطاعات منفصلة
فالطاقة الشمسية يمكن أن تخدم مشاريع تحلية المياه وتخزين الطاقة يمكن أن يدعم استقرار الشبكة الكهربائية والتكنولوجيا الرقمية يمكن أن ترفع كفاءة إدارة المياه والطاقة والصناعة
وهذا التكامل يمكن أن يخلق نموذجاً أردنياً جديداً يقوم على الربط بين الطاقة والمياه والتعدين والصناعة والتكنولوجيا
نريد شراكة تصنع في الأردن
إن المطلوب من المرحلة المقبلة ليس فقط أن تأتي الشركات الصينية إلى الأردن لتنفيذ المشاريع وإنما أن تأتي لإقامة شراكات صناعية حقيقية
نريد أن نرى منتجات تحمل عبارة صنع في الأردن وتدخل الأسواق الإقليمية والعالمية
نريد مصانع للألواح الشمسية ومكونات الطاقة ومصانع للبطاريات ومجمعات صناعية للسليكا وصناعات تحويلية للمعادن ومشاريع للهيدروجين الأخضر ومراكز للتكنولوجيا والبحث والتطوير
ونريد أن يكون العامل الأردني والمهندس الأردني والباحث الأردني جزءاً أساسياً من هذه المنظومة
وهذا هو المعنى الحقيقي لنقل التكنولوجيا
التنفيذ هو معيار النجاح
لكن علينا أن نكون واضحين الاتفاقيات ومذكرات التفاهم ليست نهاية الطريق وإنما بدايته
والاختبار الحقيقي للزيارة الملكية سيكون في قدرتنا على تحويل مخرجاتها إلى مشاريع قائمة على الأرض واستثمارات فعلية ومصانع جديدة ومشاريع طاقة وتعدين ومياه ونقل وفرص عمل للشباب الأردني
وهذا يتطلب من الحكومة أن تضع برنامجاً تنفيذياً واضحاً لمخرجات الزيارة بجدول زمني محدد وجهات مسؤولة ومؤشرات أداء قابلة للقياس وأن يكون القطاع الخاص شريكاً أساسياً في هذه العملية
كما يتطلب الأمر مواصلة تحسين بيئة الاستثمار وتبسيط الإجراءات وتسريع التراخيص وتطوير الخدمات اللوجستية وتسهيل حركة المستثمرين وتعزيز الربط التجاري حتى يجد المستثمر الصيني في الأردن بيئة جاذبة ومستقرة وقادرة على تحقيق عائد اقتصادي حقيقي
الأردن أمام فرصة تاريخية
إن حكمة جلالة الملك في إدارة علاقات الأردن الدولية تقوم على قاعدة أساسية وهي الانفتاح على العالم مع حماية المصالح الوطنية وتحويل العلاقات السياسية إلى فرص اقتصادية وتنموية
وهذا ما يجعل الزيارة الملكية إلى الصين ذات أهمية استثنائية في هذه المرحلة
فالأردن يحتاج اليوم إلى استثمارات نوعية أكثر من حاجته إلى زيادة حجم الديون ويحتاج إلى مشاريع إنتاجية أكثر من المشاريع الاستهلاكية وإلى نقل التكنولوجيا والمعرفة أكثر من مجرد استيراد المنتجات
والشراكة مع الصين يمكن أن تكون جزءاً مهماً من هذا التحول إذا أحسنا استثمارها
ومن موقعنا في مجلس النواب ولجنة الطاقة والثروة المعدنية سنواصل دعم كل مسار يحقق للأردن أمن الطاقة ويخفض كلف الإنتاج ويستقطب الاستثمار ويوطن التكنولوجيا ويستثمر ثرواتنا المعدنية ويخلق فرص العمل ويعزز قدرة الاقتصاد الوطني على النمو
إن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة تحويل الثروات إلى صناعات والفرص إلى مشاريع والمشاريع إلى إنتاج والإنتاج إلى وظائف والوظائف إلى نمو اقتصادي حقيقي
وهنا تتجلى القيمة الأهم للزيارة الملكية فهي لا تبحث فقط عن تعزيز علاقات الأردن مع دولة كبرى وإنما تفتح أبواباً جديدة أمام مستقبل الاقتصاد الأردني
والأردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني يمتلك الإرادة والموقع والاستقرار والقدرات البشرية والثروات الطبيعية التي تؤهله للاستفادة من هذه الفرص
ويبقى علينا جميعاً أن نحسن تحويل الرؤية الملكية إلى إنجاز اقتصادي ملموس يشعر به المواطن وينعكس على مستوى معيشته وعلى فرص أبنائه وعلى قوة ونمو الاقتصاد الوطني
