قد تبدو للوهلة الأولى مقابلة جلالة الملك عبدالله الثاني مع وكالة الأنباء الصينية «شينخوا» مجرد مقابلة صحفية تسبق زيارة رسمية لكن قراءة أعمق لهذه الوكالة وتوقيت المقابلة ومضمونها تكشف أنها تحمل دلالات تتجاوز العمل الإعلامي التقليدي، وتقول الكثير عن مكانة الأردن في الرؤية الصينية، وعن أهمية الزيارة الملكية إلى بكين، فـ «شينخوا» ليست وكالة أنباء عادية بالمعنى المتداول لوكالات الأنباء، إنها وكالة الأنباء الرسمية لجمهورية الصين الشعبية، وتمثل إحدى أهم أدوات الصين الإعلامية في مخاطبة الداخل والخارج، وتعمل على نطاق دولي واسع، وتنشر الأخبار والمعلومات بعدد كبير من اللغات مما يجعلها نافذة رئيسة يطل من خلالها العالم على الصين، في الوقت نفسه نافذة تسخرها بكين لعرض رؤيتها ومواقفها تجاه القضايا الدولية، إذ أنها تنشر في المتوسط نحو 15 ألف مادة إعلامية يومياً بلغات متعددة، من بينها اللغات العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية والروسية واليابانية والكورية والألمانية، وغيرها.
وما يزيد من أهمية المقابلة الأردنية أن «شينخوا» لم تكتف بنشرها باللغة الصينية، وإنما أتاحتها كذلك بالإنجليزية والعربية. وهذا يعني أن الرسائل التي حملتها المقابلة لم تكن موجهة إلى الجمهور الصيني وحده، بل إلى دوائر أوسع، تشمل العالم العربي والمجتمع الدولي. وفي المقابلة، تحدث جلالة الملك عن مستقبل الشراكة الأردنية الصينية، وعن فرص توسيع التعاون في مجالات الاقتصاد والاستثمار والتنمية والسياحة والثقافة والابتكار، وعن الدور الصيني في دعم السلام والأمن الدوليين، وعن أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه بكين في الدفع باتجاه حل الدولتين، فالملك لم يكن يتحدث فقط عن زيارة إلى الصين، وإنما كان يقدم أمام الرأي العام الصيني والدولي تصور الأردن لطبيعة المرحلة المقبلة من العلاقات الأردنية الصينية، بمعنى آخر، كانت المقابلة بمثابة رسالة أردنية مبكرة إلى الصين: الأردن يريد الانتقال بالعلاقة من مستوى الصداقة والتعاون إلى مستويات أوسع من الشراكة الاقتصادية والاستثمارية والتكنولوجية والسياسية فيما سيحتفل البلدان العام المقبل بالذكرى الخمسين لإقامة علاقات دبلوماسية بينهما.
أما بالنسبة إلى شينخوا نفسها فهي لم تحصل من خلال المقابلة على مادة إعلامية فحسب، وإنما على رؤية مباشرة من قائد دولة عربية ذات موقع سياسي وجغرافي بالغ الحساسية، وتمنحها فرصة لنقل الرؤية الأردنية إلى القارئ الصيني، وفي الوقت نفسه تمنح بكين فرصة للتعرف مباشرة إلى أولويات القيادة الأردنية خلال زيارة الملكية ذات الأهمية السياسية، ولعل اللافت أن المقابلة سبقتها مقابلة خاصة أخرى أجرتها «شينخوا» مع معالي وزير الاستثمار، الذي تحدث عن الصين بوصفها شريكاً استراتيجياً في دعم التحول الصناعي والاقتصادي وتعزيز الاستثمار، وهذا يعكس أن الاهتمام الصيني بالأردن لم يكن محصوراً في الزيارة الملكية وحدها، وإنما جاء ضمن سياق أوسع للتحضير للعلاقة الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين.
وبذلك يمكن القول إن المقابلة خدمت الطرفين في آن واحد، إذ لم تعد الزيارة الرسمية تبدأ لحظة نزول الطائرة في مطار الدولة المضيفة، بل تبدأ قبل ذلك بكثير، عبر الإعلام والرسائل السياسية وإعداد الرأي العام، ولذلك فإن أهمية المقابلة لا تكمن فقط في ما قاله جلالة الملك، وإنما في من أجرى المقابلة، ولمن وُجّهت، ومتى نُشرت وبأي لغات وما الرسائل التي حملتها عدا أنها وضعت الأردن من خلال المنصة الإعلامية الصينية الرسمية، أمام جمهور يتجاوز ملياراً من البشر، وأمام دوائر اقتصادية وسياسية وصناعية تستطيع أن تقرأ الرسالة الأردنية مباشرة.
