في زمنٍ صار فيه القلم عند البعض سلعة، والحقيقة وجهة نظر قابلة للبيع والشراء، تخرج ريتا بولس شهوان لتؤكد أن الصحافة ما زالت قادرة على أن تكون صوتًا لا يُروَّض، وقلمًا لا ينحني، وموقفًا لا تهزّه العواصف. هي ليست مجرد صحافية تكتب، بل حضورٌ يفرض نفسه، وكلمةٌ تعرف أين تصيب، وشجاعةٌ ترفض أن تضع الحقيقة خلف أبواب الخوف والحسابات.
حين تكتب ريتا، لا تكون الحروف مجرد حبر على ورق؛ تتحول إلى أسئلة في وجه الصمت، وإلى ضوءٍ يكشف ما يحاول البعض إخفاءه، وإلى موقفٍ يقول بوضوح: هنا صحافة تُمارَس بشرف، وهنا قلم لا يساوم.
ليست كل صحافية تكتب خبرًا، ولا كل من يمسك القلم يمتلك شجاعة الكلمة. هناك صحافيون يمرّون على المشهد مرورًا عابرًا، وهناك من يتركون بصمتهم فيه. وريتا بولس شهوان تنتمي بوضوح إلى الفئة الثانية؛ إلى أولئك الذين يرون في الصحافة مسؤولية، وفي الكلمة موقفًا، وفي الحقيقة معركة لا يجوز الانسحاب منها.
ريتا لا تكتب لتملأ مساحة في صحيفة، ولا لتضيف سطرًا إلى أرشيف إعلامي. هي تكتب لأن وراء كل قضية إنسانًا، ووراء كل ملف سؤالًا، ووراء كل صمت حقيقة تستحق أن تُقال.
قوة تجربتها الصحافية لا تأتي من ارتفاع الصوت، بل من قوة الحجة، ومن القدرة على الاقتراب من الملفات الشائكة دون خوف أو مواربة. وعندما تكون الصحافة أمام اختبار حقيقي، يصبح الفرق واضحًا بين من يمارس المهنة ومن يحمل رسالتها.
في زمن كثرت فيه العناوين وخفّ فيه مضمون بعضها، تذكّرنا ريتا بأن الصحافة الحقيقية ليست استعراضًا ولا ضجيجًا. الصحافة عينٌ مفتوحة، وضميرٌ يقظ، وقلمٌ لا يساوم حين يتعلق الأمر بالحقيقة.
والأجمل في تجربتها أنها لا تختبئ خلف الكلمات الكبيرة؛ بل تجعل الكلمة نفسها أداة مواجهة. تقترب من القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بعين الباحثة، وتتعامل مع التفاصيل باعتبارها مفتاحًا لفهم الصورة الكبرى.
في الصحافة اللبنانية، حيث المنافسة شرسة، والضغوط كثيرة، والحقائق غالبًا محاصرة بين المصالح والحسابات، تبرز الحاجة أكثر إلى أصوات لا تخاف؛ أصوات تقول ما يجب أن يُقال، وتفتح الملفات التي يفضّل كثيرون أن تبقى مغلقة.
ولهذا، فإن الإشادة بريتا بولس شهوان ليست مجاملة عابرة، بل تحية مستحقة إلى تجربة صحافية تؤمن بأن للمهنة شرفًا، وللكلمة ثمنًا، وللحقيقة مكانًا مهما اشتدت العواصف.
ريتا بولس شهوان… قلم لا يطلب التصفيق، بل يطلب أن تُسمع الحقيقة، وهي الصحافية التي تعرف أن أقوى ما يمكن أن يملكه الإنسان ليس سلطة المنصب، ولا بريق الشهرة، ولا كثرة المتابعين، بل كلمة حرة تُقال في الوقت الذي يصمت فيه الآخرون.
