ليس كل من تظهر على الشاشة تُسمّى إعلامية… فبعضهنّ يملأن الشاشة، وقلة فقط يملأن المشهد. ورولا الدهيبي من تلك القلة.
في زمنٍ ازدحم بالوجوه حتى بات الحضور سهلًا، وبالأصوات حتى أصبح الصراخ يُباع على أنه تأثير، وبالشهرة حتى اختلطت القيمة بالضجيج، تظهر رولا الدهيبي لتكسر هذه القاعدة كلّها: حضور لا يُستعار، وكلمة لا تُقال بلا معنى، وجرأة لا تبحث عن التصفيق.
ليست الحكاية أنها إعلامية جميلة، فالجمال وحده لا يصنع تاريخًا. وليست الحكاية أنها تجيد الحوار، فالميكروفون لا يمنح أحدًا قيمة. وليست الحكاية أنها تكتب، فكم من الكلمات تُكتب كل يوم ثم تموت قبل أن تصل إلى قلب أحد.
الحكاية أكبر من ذلك بكثير.
الحكاية أن رولا الدهيبي صنعت حضورًا يصعب اختزاله في صورة، أو حلقة، أو عنوان. حضورًا يتقدم فيه العقل إلى جانب الجمال، والموقف إلى جانب الكلمة، والإنسان إلى جانب الشهرة.
ولهذا، حين نكتب عن رولا الدهيبي، فنحن لا نكتب عن اسمٍ عابرٍ في زحمة الإعلام… بل نتوقف أمام ظاهرة حضور تستحق أن تُقرأ، وأن تُناقش، وأن يُرفع لها القلم احترامًا.
لأن هناك أسماء تمرّ أمام الكاميرا… وهناك أسماء تجعل الكاميرا تتوقف عندها. ورولا الدهيبي ليست ممن يمررن.
رولا الدهيبي حالة.
وحين نقول «حالة»، فنحن لا نوزع ألقابًا، ولا نصنع بطولة من فراغ، ولا نمارس ذلك النوع من المديح الرخيص الذي يرفع الناس اليوم ثم ينساهم غدًا.
نحن نتحدث عن تجربة تستحق أن تُقرأ، وعن حضور يفرض التوقف، وعن امرأة يبدو أن لديها إصرارًا واضحًا على ألا تكون نسخة مكررة في زمن امتلأ بالنسخ.
في زمنٍ صار فيه الوصول إلى الكاميرا أسهل من الوصول إلى عقول الناس، ظهرت رولا الدهيبي وهي تعرف أن الشاشة وحدها لا تصنع قيمة.
القيمة هي ما تقوله حين تُفتح الكاميرا.
والقيمة هي ما تكتبه حين يسود الصمت.
والقيمة هي القضية التي تختار أن تقف إلى جانبها عندما يختار الآخرون المنطقة الآمنة.
ولهذا، نعم، تستحق رولا الدهيبي أن يُكتب عنها.
بل إن السؤال الحقيقي ليس: لماذا نكتب عنها؟
السؤال: كيف يمكن تجاهل تجربة إعلامية بهذا القدر من التنوع، والحضور، والاشتباك مع الثقافة والإنسان والمجتمع؟
من الشعر إلى الفكر، ومن الحوارات الثقافية إلى القضايا الاجتماعية، ومن الحديث عن التحرش الوظيفي إلى الكتابة عن المتعاقدين في التعليم، ومن مواجهة ظواهر الإساءة وانحدار الخطاب إلى الاقتراب من وجع الأطفال وقضايا الأمن والسلاح المتفلّت… نحن أمام إعلامية لم تقبل أن تحبس نفسها داخل قالب واحد.
وهذا ليس أمرًا عابرًا.
لأن كثيرين يختارون منطقة الراحة.
رولا الدهيبي، كما توحي أعمالها المنشورة، تختار منطقة السؤال.
والفرق بينهما كبير.
منطقة الراحة تصنع حضورًا مؤقتًا.
أما منطقة السؤال، فتصنع اسمًا.
رولا الدهيبي تعرف أن الإعلام ليس حفلة صور.
وليس مسابقة أناقة.
وليس عددًا من المشاهدات.
وليس ضيفًا مشهورًا، وعنوانًا صاخبًا، ثم لا شيء.
الإعلام، في جوهره، مسؤولية.
وحين تدخل رولا الدهيبي إلى حوار ثقافي مع شاعر، فهي تمنح الكلمة مساحة. وحين تستضيف شخصية فكرية، فهي تفتح الباب أمام العقل. وحين تناقش قضية مثل التحرش في بيئة العمل، فهي تقترب من منطقة تحتاج إلى شجاعة ووضوح.
وهنا تحديدًا يبدأ الفرز الحقيقي بين إعلام يملأ الوقت، وإعلام يترك أثرًا.
نعم، من السهل أن تستضيف.
لكن من الصعب أن تعرف من تستضيف ولماذا.
ومن السهل أن تسأل.
لكن من الصعب أن تعرف كيف تصنع من السؤال مفتاحًا لفكرة.
ومن السهل أن تكتب.
لكن من الأصعب أن تكتب عندما يكون للكلمة ثمن، وعندما تحمل رأيًا، وعندما تقف إلى جانب قضية، وعندما ترفض أن تمر على الخطأ كما لو أنه أمر عادي.
وفي كتاباتها، لا تبدو رولا الدهيبي امرأة تبحث عن التصفيق.
تبدو امرأة منزعجة من القبح حين يصبح مألوفًا.
ولهذا كتبت عن قلة الأدب.
ولأنها ترى في التعليم قضية تستحق الإنصاف، كتبت عن المتعاقدين.
ولأنها لا تنظر إلى مشاعر الحقد والغيرة والأنانية بوصفها مجرد كلمات عابرة، توقفت عندها.
ولأن الوجع الإنساني لا ينبغي أن يصبح خبرًا يمر في أسفل الشاشة، اقتربت من قصص الأطفال والمآسي.
ولأن الأمن ليس مادة للنقاش النظري، كتبت عن خطورة السلاح المتفلّت.
هذه ليست عناوين مبعثرة. هذه خريطة اهتمام.
وخريطة الاهتمام تقول إن خلف الشاشة إنسانة تنظر إلى المجتمع، وتراقب، وتسأل، وتكتب، وتحتج، وتدافع، وتؤمن بأن الصمت ليس دائمًا علامة حكمة.
وهذا ما يجعلها مختلفة.
دعونا نقول الحقيقة كما هي:
الجمال وحده لا يصنع إعلامية.
ولو كان الجمال يكفي، لامتلأت الذاكرة بأسماء كثيرة ثم اختفت.
لكن ما يبقى هو الشخصية.
الفكرة.
الذكاء.
اللغة.
الحضور.
والقدرة على أن تكون أمام الناس دون أن تتحول إلى صورة بلا صوت.
ورولا الدهيبي تمتلك هذا الامتحان الصعب: أن تلفت النظر، ثم تجعل العقل يكمل المشاهدة.
تملك حضورًا أنيقًا، نعم.
لكن وراء الأناقة فكرة.
وراء الصورة كلمة.
وراء الكلمة موقف.
وهذا هو الفارق الذي يجب أن يُقال بصراحة.
لأن أسهل ظلم يمكن أن تتعرض له امرأة ناجحة في الإعلام هو أن يُختزل كل ما تصنعه في شكلها.
والحقيقة أن من يتابع محطاتها المنشورة يكتشف أن الصورة ليست إلا الباب الأول، أما خلف الباب فهناك عالم آخر: ثقافة، حوار، كتابة، رأي، قضايا، وإنسان.
لهذا لا تختزلوها.
لا تختزلوا رولا الدهيبي في إطلالة.
ولا في صورة.
ولا في وصف جاهز من نوع «إعلامية جميلة».
هذا الوصف، مهما بدا لطيفًا، لا يفي التجربة حقها.
قولوا إنها إعلامية تعرف أن الجمال قيمة حين يرافقه وعي.
قولوا إنها محاورة تعرف أن الضيف ليس ديكورًا.
قولوا إنها كاتبة تعرف أن المقال ليس مساحة لملء الفراغ.
قولوا إنها امرأة تملك حضورًا، نعم، لكنها تملك أيضًا ما هو أصعب من الحضور: الاستمرارية في صناعة المعنى.
وفي زمنٍ يبحث فيه كثيرون عن «الترند»، تبدو القيمة الحقيقية في أن يصنع الإنسان أثرًا لا ينتهي بانتهاء اليوم.
وهنا تستحق رولا الدهيبي التوقف.
لأنها لا تبدو منشغلة بأن تكون الأكثر صخبًا.
بل تسير في اتجاه آخر: أن تكون الأكثر صدقًا مع ما تختاره من موضوعات، والأكثر وفاءً لفكرة أن الإعلام يمكن أن يكون مساحة للوعي.
وقد يختلف الناس حول الأساليب.
وقد تختلف الأذواق.
وقد يختلف البعض مع الآراء.
وهذا طبيعي.
لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن الاسم الذي يجمع بين الحوارات الثقافية، والكتابة الاجتماعية، والاقتراب من القضايا الإنسانية، والمواقف التي ترفض التطبيع مع السلوك الخاطئ، هو اسم لا يمر مرور العابرين.
إنه اسم يفرض النقاش.
ورولا الدهيبي اليوم، من خلال ما قدمته، تبدو وكأنها تقول للجميع:
لن أكون مجرد رقم في قائمة الإعلاميين.
لن أكون مجرد وجه عابر.
لن أقول ما يرضي الجميع كي أحصل على تصفيق الجميع.
سأقول ما أراه، وأحاور من أريد أن أسمع منه، وأكتب عمّا أؤمن أنه يستحق أن يُقال.
وهذا هو الرهان الحقيقي.
أن تملك شجاعة أن تكون نفسك في زمن التقليد.
أن تحافظ على لغتك في زمن الصراخ.
أن تختار المعنى في زمن التفاهة.
أن تدافع عن القيم في زمن أصبح فيه البعض يخجل من كلمة «قيم».
أن تبقى قريبة من الناس دون أن تهبط إلى مستوى الاستسهال.
لهذا نكتب عن رولا الدهيبي.
نكتب عنها لأن بعض الشخصيات لا تحتاج إلى إعلان ممول كي تُرى.
نكتب عنها لأن الحضور الحقيقي لا يُقاس بعدد الصور، بل بعدد المرات التي جعلت فيها الناس يفكرون.
نكتب عنها لأن الكلمة التي تخرج من قناعة تبقى أطول من التصفيق.
ونكتب عنها لأن الإعلام، حين يجد امرأة تجمع بين الحضور والثقافة والجرأة والإنسانية، يجب أن يتوقف قليلًا ويقول:
هنا تجربة تستحق الاحترام.
رولا الدهيبي ليست ظاهرة لأنها تدّعي أنها ظاهرة.
بل لأن محطاتها تقول إن لديها ما يستحق التوقف.
ولأنها لم تكتفِ بأن تكون حاضرة في المشهد، بل حاولت أن تكون حاضرة في القضايا.
ولأنها لم تستخدم الكلمة لتزيين الصورة، بل جعلت من الكلمة جزءًا من هويتها.
والحقيقة التي قد تزعج البعض هي أن الوجوه تتبدل سريعًا… أما الشخصيات التي تجمع بين الحضور والمضمون، فتفرض أسماءها ولو بعد حين.
وهذا بالضبط ما يجعل رولا الدهيبي تستحق أن يُكتب عنها.
ليس مجاملة.
ليس صداقة.
ليس حملة تلميع.
بل اعتراف.
اعتراف بأن هناك إعلامية لم تقبل أن تكون عابرة.
وأن هناك امرأة اختارت طريقًا أكثر صعوبة من مجرد الظهور: طريق الكلمة والموقف.
ولهذا نقولها بوضوح، وبصوتٍ لا يحتاج إلى تردد:
رولا الدهيبي ليست «مجرد إعلامية»…
إنها ظاهرة حضورٍ تتشكل بالكلمة، وتشتد بالموقف، وتكبر كلما اقتربت من الإنسان.
ومن لا يرى ذلك، فربما اعتاد على الضجيج إلى درجة أنه لم يعد يعرف كيف يميز بين الصوت العالي… والصوت الذي يستحق أن يُسمع.
