في الحياة العامة، لا تُقاس قيمة الرجال بعدد المناصب التي شغلوها، ولا بكثرة العبارات التي تُقال عنهم، وإنما تُقاس بما يثبتونه في لحظات الاختبار، وبقدرتهم على الجمع بين الموقف والنزاهة والانتماء والعمل.
ومن هذه الزاوية، تظهر شخصية الدكتور محمد أبو هديب باعتبارها نموذجًا لرجل دولة مارس العمل العام من موقع القناعة والمسؤولية، وحافظ على حضوره وموقفه في مختلف المواقع التي شغلها، وصولًا إلى انتخابه أمينًا عامًا لحزب مبادرة.
فالدكتور أبو هديب ليس طارئًا على العمل الوطني أو السياسي؛ فهو طبيب ونائب سابق، وصاحب تجربة برلمانية امتدت عبر أكثر من دورة، وعضو سابق في لجنة الشؤون العربية والدولية، حيث تعامل مع ملفات ترتبط بصورة الأردن ومصالحه وعلاقاته ومواقفه في محيط عربي ودولي شديد الحساسية.
وفي تلك التجربة، كان حضوره يتجاوز حدود العضوية الشكلية. فقد عُرف بأنه صاحب موقف، حاضر في النقاش، واضح في رؤيته، ومتمسك بما يراه مصلحة وطنية. وهذه صفات لا تُمنح بالألقاب، وإنما تُكتسب عبر سنوات من الممارسة والاحتكاك المباشر بالشأن العام.
لكن ربما تكون أكثر الصفات التي تستحق التوقف عندها في تجربة الدكتور أبو هديب هي النزاهة الشخصية.
فقد عُرف عنه، خلال مشاركاته المرتبطة بعمله في لجنة الشؤون الخارجية، أنه رفض في مناسبات عديدة تقاضي المياومات والبدلات المخصصة للسفر، واختار أن يتحمل النفقات من ماله الخاص.
وقد يمر مثل هذا السلوك دون ضجيج إعلامي، لكنه في حقيقة الأمر يقول الكثير عن صاحبه. فالمسؤولية العامة عند أبو هديب لم تكن طريقًا لتحصيل المنافع، وإنما كانت تكليفًا وأمانة. وحين يرفض المرء منفعة متاحة له قانونًا ويختار أن يدفع من جيبه، فإنه يقدم نموذجًا عمليًا لما تعنيه النزاهة بعيدًا عن الشعارات والخطب.
والأهم أن هذه الممارسة لم تكن موقفًا عابرًا يُستثمر إعلاميًا، بل سلوكًا يعبّر عن قناعة راسخة بأن المال العام يجب أن يبقى في موضعه، وأن المسؤول الذي يتولى الشأن العام ينبغي أن يكون أكثر الناس حرصًا على عدم تحميل الدولة ما يستطيع تحمله بنفسه.
و في الجانب الوطني، فإن الدكتور محمد أبو هديب يعرف أين يقف.
هو، على الدوام، مع الأردن، ومع دولته، ومع قيادته، ومع المصلحة الوطنية العليا، وهذه ليست بالنسبة إليه مناسبة ظرفية أو موقفًا يتغير بتغير اتجاهات الريح السياسية. بل هي بوصلة ثابتة تحكم رؤيته ومواقفه.
وفي وقتٍ بات فيه البعض يعتقد أن رفع الصوت خارج الإجماع الوطني هو الطريق الأسرع إلى الحضور، يختار أبو هديب طريقًا مختلفًا: أن يكون صوته مرتفعًا عندما تكون مصلحة الوطن بحاجة إلى صوت، وأن يكون موقفه واضحًا عندما تستدعي المرحلة الوضوح، وأن يبقى داخل السرب الوطني لا خارجه.
وهنا تحديدًا تظهر خصوصية الرجل.
فهو يختلف عن أولئك الذين يبدّلون مواقفهم وفقًا للظرف، أو الذين يعتقدون أن معارضة الدولة في كل مناسبة هي تعريف المعارضة السياسية. فالمعارضة الحقيقية، في جوهرها، ليست خصومة مع الوطن، والسياسة ليست سباقًا إلى تسجيل المواقف؛ وإنما هي اختلاف في الوسائل ضمن مظلة الانتماء للدولة واحترام مؤسساتها وثوابتها.
ولهذا فإن انحياز أبو هديب إلى الوطن وقيادته لا يعني غياب الرأي أو النقد أو النقاش؛ بل يعني أن المرجعية التي ينطلق منها هي مصلحة الأردن أولًا.
واليوم، وقد اختير أمينًا عامًا لحزب مبادرة بالتزكية، يدخل أبو هديب مرحلة مختلفة من العمل العام. وهذه المسؤولية الجديدة تمنحه فرصة لتحويل رصيده السياسي والنيابي إلى عمل حزبي مؤثر، خصوصًا أن المرحلة التي يعيشها الأردن تحتاج إلى أحزاب تمتلك برامج ورؤى، وتستطيع أن تنتقل من الكلام إلى الفعل، ومن الشعارات إلى السياسات.
وقد جاءت رسالته عقب انتخابه واضحة في هذا الاتجاه؛ إذ شدد على العمل الجماعي، وتعزيز دور الحزب في الحياة السياسية، وتوسيع مشاركة الشباب والمرأة، وتفعيل الفروع في المحافظات، وإشراك أعضاء الحزب في صناعة القرار.
وهي رؤية تتقاطع مع الحاجة إلى بناء حياة حزبية أكثر نضجًا، يكون فيها الحزب مؤسسة سياسية حقيقية، لا مجرد تجمع انتخابي أو إطار موسمي.
ولعل ما يبعث على التفاؤل أن أبو هديب يدخل هذه المرحلة وهو يحمل معه رصيد التجربة لا رصيد الشعارات؛ تجربة نائب، وتجربة في الملفات العربية والدولية، وتجربة في العمل العام، ورصيد من المواقف، وشهادة سلوكية في النزاهة، وحضور يعرفه من عاصروه في مواقع المسؤولية.
إن الأردن اليوم بحاجة إلى شخصيات سياسية تعرف الفرق بين الولاء والتملق، وبين المعارضة والخصومة، وبين الموقف الوطني والمزايدة.
وأبو هديب، في هذا السياق، يقدم نموذجًا مختلفًا: رجل يقول ما يعتقد الصواب، ودائما ما كانت توقعاته تصيب وفي مكانها الصحيح المفترض، ويقف حيث يرى مصلحة وطنه، ويحافظ على ثوابته، ويؤمن بأن القيادة السياسية للدولة هي المرجعية الوطنية التي ينبغي أن تلتف حولها الجهود عندما يتعلق الأمر بمصلحة الأردن وأمنه واستقراره.
ولذلك فإن الحديث عن محمد أبو هديب لا ينبغي أن يتوقف عند كونه أمينًا عامًا لحزب مبادرة، بل يجب أن يُقرأ في سياق أوسع: شخصية سياسية ذات تجربة، وصاحب حضور مؤثر، ورجل موقف، ومشهود له بالنزاهة، ويملك من الخبرة ما يؤهله للعب دور أكبر في المرحلة المقبلة.
وفي النهاية، تبقى أعظم شهادة للرجل العام هي أن يقال عنه، بعيدًا عن المناصب والألقاب: كان مع وطنه عندما كان الموقف مطلوبًا، وكان مع قيادته عندما احتاج الوطن إلى وحدة الصف، وكان نزيهًا عندما كانت المنفعة متاحة، وكان صاحب موقف عندما كان الصمت أسهل.
وهذه، في السياسة والعمل العام، ليست صفات عادية.
إنها رأس مال وطني يمكن أن يُبنى عليه.
ومن هنا، فإن انتخاب الدكتور محمد أبو هديب أمينًا عامًا لحزب مبادرة قد لا يكون مجرد تغيير في قيادة حزب، بل فرصة لأن يقدم رجل يمتلك تجربة وموقفًا ونزاهة، إضافة نوعية للمشهد الحزبي الأردني، وأن يثبت أن الحضور السياسي الحقيقي لا يحتاج إلى التغريد خارج السرب، بل يحتاج إلى أن يكون الصوت من داخل السرب الوطني، قويًا حين يجب أن يكون قويًا، وواضحًا حين يجب أن يكون واضحًا، ومنحازًا دائمًا إلى الأردن.
