عروبة الإخباري طلال السكر –
في زمنٍ أصبحت فيه الدبلوماسية عند البعض مجرد كلماتٍ مصقولة أمام الكاميرات، يثبت بعض الرجال أن الدبلوماسية موقف، وأن الكلمة حين تصدر عن رجلٍ يعرف معنى الوطن تصبح مسؤولية، وأن الوفاء للعلاقات التاريخية بين الشعوب ليس مجاملةً سياسية، بل قيمةٌ لا تتغير بتغير الظروف.
من هنا يمكن قراءة تجربة السفير الفلسطيني لدى الأردن عطا الله خيري؛ الرجل الذي ارتبط اسمه بسنوات طويلة من الحضور الدبلوماسي الفلسطيني في عمّان، وظل حريصاً على أن تكون كلماته ومواقفه انعكاساً لعمق العلاقة التي تجمع الأردن وفلسطين، لا مجرد عبارات بروتوكولية عابرة.
لقد أدرك خيري، منذ وقت مبكر، أن موقع سفير فلسطين في عمّان ليس موقعاً دبلوماسياً عادياً. فالأردن وفلسطين ليسا دولتين تجمعهما العلاقات الرسمية فقط، وإنما شعبان تتداخل بينهما الجغرافيا والتاريخ والعائلة والمصير والدم والقدس.
ولهذا جاءت مواقفه تجاه الأردن واضحة، صريحة، ومفعمة بالتقدير.
وفي عام 2026، برزت مجدداً لغة السفير خيري في التعبير عن تقديره للأردن وقيادته، عندما أشاد بحكمة السياسة الخارجية الأردنية وتوازنها وعقلانيتها، مؤكداً الدور الذي يضطلع به الأردن في الدفاع عن القضية الفلسطينية ودعم الحقوق الفلسطينية. وهي مواقف تعكس، قبل كل شيء، إدراكاً لحقيقة الدور الأردني ومكانته في القضية الفلسطينية.
وليس من السهل أن يحافظ دبلوماسي على هذا المستوى من الحضور والاتزان طوال سنوات طويلة، خصوصاً في منطقة تتبدل فيها التحالفات والمواقف بسرعة، وتفرض فيها الأزمات على الدبلوماسي أن يختار كلماته بدقة.
لكن خيري اختار، في مواقفه العلنية، لغة تجمع بين الوضوح والاحترام، والثبات والمرونة، والوطنية والواقعية.
وهذه بالضبط هي الدبلوماسية التي تحتاجها العلاقات العربية في أصعب مراحلها.
فحين يتحدث سفير فلسطين عن الأردن، فهو لا يتحدث عن دولةٍ مضيفة فحسب؛ بل عن بلدٍ كان وما يزال في قلب القضية الفلسطينية، وعن قيادة جعلت من الدفاع عن القدس والحقوق الفلسطينية ثابتاً من ثوابت السياسة الأردنية.
وحين يشيد السفير خيري بالدور الأردني، فإن كلماته تكتسب أهمية خاصة لأنها تأتي من رجلٍ عاش تفاصيل المشهد الأردني الفلسطيني لسنوات، وعرف عن قرب حجم الجهد الذي يبذله الأردن في المحافل السياسية والدبلوماسية، وحجم المسؤولية التي يتحملها في واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في العالم.
رجلٌ من زمن الدبلوماسية الهادئة
ما يميز عطا الله خيري ليس كثرة التصريحات، وإنما نوعية الموقف عندما يتحدث.
فالدبلوماسية الحقيقية لا تُقاس بعدد البيانات، ولا بعدد الصور، ولا بحجم الظهور الإعلامي؛ وإنما تُقاس بقدرة صاحبها على حماية مصالح بلاده، وتعزيز علاقاتها، وفتح أبواب الحوار، والحفاظ على الاحترام المتبادل حتى في أكثر الظروف حساسية.
ومن هذه الزاوية، فإن تجربة خيري في عمّان تستحق التوقف عندها.
سنوات طويلة قضاها في الأردن جعلته واحداً من أكثر السفراء الفلسطينيين معرفةً بتفاصيل العلاقة الأردنية الفلسطينية، وأحد الوجوه التي ارتبط حضورها بمرحلة طويلة من التواصل بين البلدين.
فلسطين في قلب الدبلوماسية
ورغم كل ما تفرضه الدبلوماسية من حسابات، بقيت القضية الفلسطينية حاضرة في خطاب خيري باعتبارها القضية المركزية التي يحملها.
وهنا تكمن أهمية الرجل الدبلوماسي: أن يستطيع أن يكون وطنياً دون أن يكون صدامياً، وأن يكون واضحاً دون أن يكون مستفزاً، وأن يدافع عن قضيته دون أن يغلق أبواب الحوار.
لقد قدم خيري، عبر سنوات عمله، نموذجاً للدبلوماسي الذي يعرف أن قوة الموقف لا تحتاج إلى ارتفاع الصوت، وأن الاحترام لا يعني التنازل، وأن الهدوء لا يعني الضعف.
الأردن وفلسطين.. أكثر من علاقة دبلوماسية
ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال في هذه التجربة أن خيري لم يتعامل مع العلاقة الأردنية الفلسطينية باعتبارها ملفاً دبلوماسياً على طاولة السفارة، وإنما باعتبارها علاقة تاريخية وإنسانية عميقة.
فبين الأردن وفلسطين روابط لا تستطيع البروتوكولات أن تختصرها، ولا تستطيع الحدود أن تفصلها، ولا تستطيع السياسة أن تلغيها.
ولهذا فإن خطاب خيري تجاه الأردن يكتسب قيمة تتجاوز شخص السفير نفسه؛ لأنه يعكس فهماً عميقاً لمعنى أن تكون فلسطين ممثلة في عمّان، وأن يكون الأردن حاضراً في قلب الوجدان الفلسطيني.
كلمة أخيرة
في النهاية، قد تتغير المناصب، وقد تتبدل الوجوه، لكن الأثر يبقى.
وعطا الله خيري، بما حمله من تجربة طويلة وحضور هادئ ومواقف واضحة، ترك بصمة في المشهد الدبلوماسي الفلسطيني في الأردن.
إن الإشادة به ليست مجاملة لشخص، وإنما تقدير لمسيرة دبلوماسية طويلة اختارت الهدوء بدلاً من الضجيج، والحكمة بدلاً من الانفعال، والوفاء للعلاقات التاريخية بدلاً من الحسابات العابرة.
وفي زمنٍ تشتد فيه الحاجة إلى رجالٍ يعرفون قيمة الكلمة، يبقى عطا الله خيري نموذجاً لدبلوماسيٍ آمن بأن أقوى ما يمكن أن يقدمه لوطنه ليس ارتفاع صوته، وإنما ثبات موقفه، واحترامه للآخر، وقدرته على أن يجعل من الدبلوماسية جسراً لا جداراً.
