كتبت د. ليليان قربان عقل –
عرفت الصحافة اللبنانية منذ بداياتها مع ” حديقة الأخبار “لخليل الخوري سنة 1858وحتى الربع الاول من القرن العشرين تطورا ملحوظاً في دورها ، فاصبحت منابر مفتوحة لاطلاق المواقف الوطنية من خلال كتابات أدبية فكرية حملت قضايا سياسية واجتماعية عكست ظروف واقعها آنذاك فكانت مرآة زمانها ومكانها ولعبت دوراً بارزاً في الوطن والمهجر في تظهير الاحداث التاريخية الكبرى وابرزها نشوء دولة لبنان الكبير في اول ايلول سنة 1920.
تزامن إعلان دولة لبنان الكبير مع القضاء على استقلال ” الدولة العربية ” التي حاول الأمير فيصل إبن الشريف حسين إقامتها على أنقاض ما تبقّى من الدولة العثمانية بعد إنهزامها في الحرب العالمية الاولى ، وكان الأمير فيصل قد عُزِل عن حكم سوريا بعد الخسارة التي أُلحِقت بالجيش السوري في معركة ميسلون في 24تموز عام 1920 وإستشهاد وزير الدفاع يوسف العظمة بعد أن قرّر الجنرال غورو الزحف الى دمشق ، بعد ذلك وفي اول ايلول عام 1920 أعلن المفوّض السامي الجنرال هنري غورو نشوء دولة لبنان الكبير من قصر الصنوبر في بيروت والى جانبه البطريرك الماروني الياس الحويك ومفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا.
واكبت الصحافة اللبنانية هذا الاعلان الذي مهّد لنشوء الجمهورية اللبنانية عام 1926 عاكسة هذا الإختلاف بين التيار العروبي والتيار اللبناني والذي ظهر من خلال مواكبتها الحدث وتغطيتها لتداعياته الوطنية في لبنان والمهجر، اخترنا منها نموذجين الأكثر تأثيراً وإنتشارا في ذلك الوقت ، فكانت ” لسان الحال” التي تصدر في بيروت مؤيدة للفرنسيين و” الحقيقة ” البيروتية معارضة لذلك وذات توجّه عروبي يقابلها في المهجر في نيويورك جريدة ” الهدى” ذات “التوجه اللبناني “وجريدة ” مرآة الغرب ” ذات “التوجه العروبي “.
إن المقارنة التحليلية للجرائد الأربعة المختارة، كنموذج للتقويم العام ، تظهر ان الصحافة اللبنانية ، في لبنان والمهجر ، كان لها موقف من إنشاء الكيان السياسي الجديد.
يمكن اختصار نتائج المقارنة بالتالي:
-إن النزعة الى التحرّر والإستقلال التي كانت سائدة آنذاك ظهرت تكاملية بين الصحف المرصودة كنماذج مختارة في رغبتها بالتحرّر .
-إن الإختلاف بين الصحف في تعاطيها مع نشوء دولة لبنان الكبير ظهر بشكل عام في التهليل للمساعدة الفرنسية ولدعمها لنشوئها بصيغتها الحالية ،ظهر ذلك بوضوح في الصحف ذات التوجّه اللبناني في مقابل إعتبار هذا الدعم (إحتلال فرنسي في الصحف الأخرى ذات التوجه العروبي)، فكان الاختلاف في التوجهات العقائدية التي عكست اجواء الصراع الايديولوجي حينها.
ان دراسة تحليلية للصحف المرصودة تطرح تساؤلات جمّة حول من دعم وموّل هذه الصحف التي كانت منهكة إقتصاديا بعد تداعيات الحرب العالمية الاولى وما جرّته من ويلات على منطقتنا نظرا للدور الكبير الذي لعبته الصحافة اللبنانية في تعاطيها مع الحدث الكبير ” نشوء دولة لبنان الكبير “.
كما يطرح تساؤلات حول الهفوات التي رافقت نشوء دولة لبنان الكبير التي لا تزال عُرضة للصراعات الدولية والإقليمية التي تحكم وتتحكّم في تحديد هويتها المتصارع عليها منذ ولادتها وحتى اليوم.
