ليس كل اسمٍ يستحق أن نتوقف عنده، وليس كل شخصيةٍ عامة تستحق أن نكتب عنها مقالًا. هناك أسماء تمر أمامك عابرة، وأسماء أخرى تجبرك على التوقف، لأنها لم تكتفِ بأن تكون حاضرة في المشهد، بل تركت أثرًا فيه.
ومن هنا أكتب عن الإعلامية والكاتبة الدكتورة عبير العربي.
أكتب عنها لأنني أؤمن أن الكلمة العادلة يجب أن تُقال في وقتها، وأن أصحاب التجارب الحقيقية لا ينبغي أن ينتظروا حتى يغيبوا عن المشهد لكي نكتشف قيمتهم.
عبير العربي ليست مجرد إعلامية تحمل لقبًا مهنيًا، وليست مجرد كاتبة أصدرت أعمالًا أدبية ثم وضعتها على رفوف المكتبات. نحن أمام تجربة جمعت بين الصحافة والإعلام والبحث والكتابة الأدبية، وهي تركيبة ليست سهلة، لأن لكل مجال أدواته، ولكل طريق ضريبته.
بدأت من الصحافة، من الميدان الذي لا يمنح أحدًا مكانته مجانًا. الصحافة الحقيقية مدرسة يومية في البحث والتحقق والاحتكاك بالناس وفهم المجتمع، ومن يخرج منها محتفظًا بشغفه بالكلمة يكون قد اجتاز اختبارًا لا تجتازه الشهرة العابرة.
واللافت في تجربة عبير العربي أنها لم تتوقف عند حدود العمل الصحفي، بل ذهبت إلى مساحة أعمق: مساحة البحث والكتابة والإبداع.
وحين اختارت أن تبحث في قضية الأخبار الكاذبة وتأثيرها على الأمن القومي، كانت تقترب من واحدة من أخطر قضايا عصرنا؛ عصر أصبحت فيه المعلومة سلاحًا، وأصبح تزييف الحقيقة قادرًا على صناعة الخوف والبلبلة والتأثير في وعي المجتمعات.
ثم جاءت الكتابة الأدبية لتكشف وجهًا آخر من شخصيتها.
في «مدام بنوت» لم تكن الحكاية مجرد حكايات تُروى، بل محاولة للاقتراب من الإنسان وتفاصيله ومشاعره وتناقضاته. وفي «سبق سري» دخلت إلى عالم الصحافة والمحاماة والفساد، وهو عالم تعرفه جيدًا بحكم تجربتها المهنية، فكانت الكتابة امتدادًا طبيعيًا لما عاشته وراقبته وطرحته أسئلته.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة التجربة.
عبير العربي لا تكتب من برج عاجي.
إنها تكتب من قلب المهنة، ومن قلب المجتمع، ومن خبرة امرأة اختارت أن تكون للكلمة وظيفة، وللصحافة مسؤولية، وللأدب مساحة أخرى لاكتشاف الإنسان.
ولذلك أكتب عنها.
أكتب عنها لأننا في زمنٍ أصبح فيه الصخب أعلى من الإنجاز، وأصبحت فيه الشهرة أحيانًا أسرع من الموهبة، وصار من الضروري أن نفرق بين من يصنع حضورًا مؤقتًا ومن يبني مسيرة.
وأنا أرى أن عبير العربي تنتمي إلى الفئة الثانية.
قد نختلف معها في رأي، أو نناقشها في موقف، أو نختلف حول عمل من أعمالها؛ وهذا حق طبيعي في أي تجربة جادة. لكن الاختلاف الحقيقي لا يلغي قيمة الاجتهاد، ولا يمحو سنوات العمل، ولا يجعل التجربة أقل استحقاقًا للقراءة والتقييم.
بل على العكس.
الشخصيات التي تستحق الكتابة هي الشخصيات التي تفتح بابًا للنقاش.
وعبير العربي تفتح أكثر من باب: باب الإعلام، وباب الصحافة، وباب المرأة، وباب الكتابة الأدبية، وباب المسؤولية الاجتماعية للكلمة.
ولهذا لا أريد أن أكتب عنها باعتبارها «إعلامية ناجحة» فقط.
هذه عبارة سهلة، ويمكن أن تُقال عن عشرات الأشخاص.
أنا أريد أن أكتب عن رحلة.
عن صحفية بدأت من المهنة، وباحثة أدركت خطورة المعلومة، وكاتبة وجدت في الأدب وسيلة أخرى للتعبير، وإنسانة اختارت أن تترك أثرًا يتجاوز حدود الوظيفة.
أكتب عنها لأن الإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج كي يكون جديرًا بالاحترام.
وأكتب عنها لأن هناك فرقًا بين أن تكون معروفًا، وبين أن تكون صاحب أثر.
وبالنسبة لي، فإن السؤال ليس: لماذا أكتب عن عبير العربي؟
السؤال الأهم هو:
لماذا لا نكتب عن النماذج التي اختارت أن تعمل وتتعلم وتكتب وتغامر وتترك أثرًا، في وقت أصبح فيه الكلام أسهل كثيرًا من الفعل؟
لذلك أكتب.
ليس مجاملةً.
وليس بحثًا عن تصفيق.
ولكن لأنني أرى أن بعض التجارب تستحق أن تُروى، وبعض الأسماء تستحق أن يُسلَّط عليها الضوء، وبعض الأقلام تستحق أن نقول لها بصراحة:
استمري… فالمشهد يحتاج إلى أصحاب المهنة، لا أصحاب الضجيج.
وهذه، في النهاية، هي إجابتي عن السؤال:
لماذا أكتب عن د. عبير العربي؟
لأنها لم تكتفِ بأن تكون اسمًا في الإعلام…
بل حاولت أن تجعل من الكلمة أثرًا.
