ليست كل الأقلام تُحدث ضجيجًا، لكن هناك أقلامًا حين تكتب توقظ الأسئلة، وتكسر الصمت، وتضع الحقيقة على الطاولة بلا رتوش. ومن هذا النوع تأتي تجربة الإعلامية والصحفية بيريهان الفحام؛ تجربة لا تُقاس بعدد المقالات، وإنما بقدرة الكلمة على صناعة الأثر.
بيريهان الفحام، صاحبة صوت إعلامي جريء اختار أن يقترب من الملفات الشائكة، وأن يكتب في المساحات التي يفضل كثيرون الابتعاد عنها. وفي أرشيفها الصحفي نجد عناوين تمس قضايا المجتمع والمرأة والأطفال والسوشيال ميديا والتناقضات الاجتماعية، وهو ما يكشف عن قلم لا يبحث عن الطريق الأسهل، بل عن القضية التي تستحق أن تُقال.
والأكثر إثارة في تجربتها أن الجرأة عندها ليست استعراضًا؛ فالقارئ يلمس في كتاباتها رغبة حقيقية في المواجهة، وفي مساءلة الواقع، وفي وضع الإصبع على الجرح بدل الاكتفاء بوصفه.
حين كتبت عن المرأة، لم تقدم خطابًا مستهلكًا عن القوة، بل جعلت من التجربة والأزمات مدرسة لصناعة الشخصية، مؤكدة أن الانكسار ليس نهاية الطريق، وأن الإنسان يستطيع أن يعود من أصعب لحظاته أكثر صلابة.
وحين اقتربت من قضية الطفل ياسين، لم تتعامل معها كخبر عابر، وإنما ربطت بين الصدمة المجتمعية وقضية حماية الأطفال ومسؤولية الأسرة والإعلام، لتؤكد مرة أخرى أن الصحافة بالنسبة إليها ليست مجرد نقل للحدث، بل اشتباك مع الأسئلة الكبرى التي يتركها الحدث وراءه.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة بيريهان الفحام.
أن تمتلك قلمًا جريئًا فهذا أمر، وأن تمتلك قضية فهذا أمر آخر. أما أن تجمع بين الجرأة والقضية والقدرة على الاستمرار، فهذه هي صناعة الحضور الحقيقي.
ولعل استمرار نشر مقالاتها في «الدستور» حتى أغسطس 2026، ومن بينها مقال حديث بعنوان «المعافاة»، يؤكد أن حضورها الصحفي ليس مرحلة عابرة، وإنما مسار مستمر في الكتابة والتعبير.
بيريهان الفحام تنتمي إلى ذلك النوع من الإعلاميين الذين لا يريدون أن يكونوا مجرد صورة في المشهد، بل يريدون أن تكون لهم بصمة فيه.
قلمها لا يعرف المجاملة حين تكون الحقيقة أهم، ولا يخشى الاقتراب من الملفات الحساسة، ولا يكتفي بالوقوف على الرصيف لمشاهدة الأحداث وهي تمر.
هي تكتب من قلب المعركة.
ولهذا فإن الحديث عن بيريهان الفحام ليس حديثًا عن إعلامية فحسب، بل عن قلم اختار أن يكون له موقف.
في زمنٍ أصبحت فيه الشهرة أحيانًا أسرع من الموهبة، وأصبح الصوت الأعلى ليس بالضرورة هو الصوت الأصدق، تظل القيمة الحقيقية في أن تملك شيئًا لا تستطيع الخوارزميات صناعته:
شخصية إعلامية لها صوت.
قلم له ملامح.
وموقف له ثمن.
وهذا تحديدًا ما يجعل تجربة بيريهان الفحام جديرة بالاحتفاء.
بيريهان الفحام.. إعلامية لا تكتفي بأن تكتب، بل تترك وراء كل كلمة سؤالًا، ووراء كل مقال أثرًا، ووراء كل موقف رسالة.
قلمٌ لا ينحني للضجيج… ولا يهادن الصمت.
