رويدا الرافعي… حين لا تعود اللوحة لوحة… ليس كل من حمل الريشة فنانًا، وليس كل من كتب عن الفن باحثًا، وليس كل من وقف أمام اللوحة استطاع أن يسمع صمتها.
لكن رويدا الرافعي جاءت من منطقة أخرى؛ منطقة يلتقي فيها الفن بالفكر، والجمال بالحقيقة، واللوحة بالتاريخ. جاءت لتقول إن اللون ليس زينة، وإن الخط ليس مجرد حركة، وإن اللوحة قد تكون أحيانًا أصدق من كتاب، وأشدّ صراخًا من خطاب، وأبقى من ذاكرةٍ يخشى عليها الزمن.
أكتب عن رويدا الرافعي لأننا لا نكتب عن اسم عابر في المشهد التشكيلي، بل عن تجربة اختارت أن تفتح أبواب اللوحة على الأسئلة الكبرى: السياسة، والإنسان، والوطن، والذاكرة، والحرب، والانكسار، والأمل.
لقد ذهبت إلى حيث يخشى كثيرون الذهاب؛ إلى المنطقة التي يصبح فيها الفن شاهدًا، ويصبح البحث مسؤولية، وتتحول اللوحة من قطعة معلّقة على جدار إلى وثيقة نابضة بوجع الإنسان وذاكرة المكان.
رويدا الرافعي لا تكتفي بأن ترى اللوحة…
إنها تحاول أن تسمع ما تقوله اللوحة حين يصمت الجميع.
لماذا أكتب عن رويدا الرافعي؟
أكتب عن الدكتورة رويدا مصطفى الرافعي لأن بعض الأسماء لا يجوز أن تمرّ في الحياة الثقافية مرور العابرين. ولأنها تجربة جمعت جمال الفنانة، وصرامة الباحثة، وعمق الأكاديمية، وجرأة المثقفة.
لم تنظر رويدا الرافعي إلى اللوحة كمساحة للألوان والخطوط فحسب، بل كوثيقة حيّة عن الإنسان وزمنه، عن خوفه وحلمه وانكساره ومقاومته.
ثمة فنانون يرسمون ما تراه العين، أما رويدا الرافعي فتبحث عمّا وراء ما تراه العين.
امرأة اختارت أن تجعل الفن سؤالًا
في زمن تُستهلك فيه الصورة بسرعة، جاءت تجربتها لتؤكد أن اللوحة يمكن أن تكون ذاكرة، وأن الفن قادر على حمل أسئلة السياسة والتاريخ والمجتمع دون أن يفقد جماله.
وفي مشروعها البحثي، انشغلت بالعلاقة بين الفن والواقع السياسي، باحثة في اللوحة اللبنانية والمشرقية عن آثار الحروب والأزمات والتحولات التي تسللت إلى وجدان الفنان وفرشاته وألوانه.
وهكذا يصبح الفنان، في قراءتها، أكثر من صانع جمال؛ يصبح شاهدًا على عصره.
عندما تتكلم اللوحة
في كتابها «الموضوع السياسي في اللوحة التشكيلية في لبنان»، تكشف الرافعي كيف انعكست السياسة والحروب والأزمات على الفن اللبناني.
إنها لا تقرأ التاريخ من الوثائق وحدها، بل تحاول أن تسمع صوت التاريخ داخل اللوحة.
فاللوحة التي تبدو صامتة قد تكون أكثر صراخًا من الخطب، واللون قد يحمل ذاكرة، والخط قد يخفي وطنًا منكسرًا أو إنسانًا يبحث عن خلاص.
من لبنان إلى المشرق
ثم وسّعت الرافعي دائرة البحث في مشروعها «الواقع السياسي في المشرق العربي – قراءة تشكيلية»، لتجعل من الفن مدخلًا لقراءة الذاكرة العربية.
لبنان، سوريا، العراق، فلسطين، الأردن… بلدان مختلفة، لكنها تحمل آثار تاريخ مثقل بالأحداث والتحولات.
والفن كان هناك: يرسم، ويحتج، ويخاف، ويحلم، ويحفظ ما كاد النسيان أن يبتلعه.
لذلك فإن مشروعها ليس مجرد عرض لأعمال فنية، بل محاولة لاستعادة الإنسان المختبئ خلف اللوحة.
أكاديمية بروح الفنان
ما يميز رويدا الرافعي أنها لم تسمح للأكاديمية أن تحاصر الفنانة فيها، ولا للفنانة أن تطغى على الباحثة.
الدراسة والمنهج والتوثيق منحت تجربتها عمقًا، والفن منح البحث روحًا وحسًا إنسانيًا.
إنها معادلة نادرة:
أن تكون فنانة بعين الباحث، وباحثة بروح الفنان.
البحث فعل وفاء
أحيانًا لا يكون البحث الأكاديمي ترفًا معرفيًا، بل فعل وفاء.
وفاء لفنانين لم ينصفهم التاريخ بما يكفي، وللوحات قالت ما عجزت الكتب عن قوله، ولذاكرة وطن ومنطقة دفعت ثمنًا باهظًا من حروبها وتحولاتها.
ومن هنا تأتي قيمة مشروع الرافعي: إنها لا تجمع اللوحات فقط، بل تحاول إنقاذ جزء من الذاكرة من النسيان.
لماذا تستحق الإشادة؟
لأن الإشادة بها ليست مجاملة لشخص، بل احتفاء بمشروع.
مشروع امرأة آمنت أن الفن ذاكرة، وأن البحث مسؤولية، وأن الأكاديمي يجب أن يبقى قريبًا من نبض المجتمع.
رويدا الرافعي ليست مجرد أكاديمية أو فنانة أو مؤلفة؛ إنها، في جوهر تجربتها، قارئة للزمن بلغة الفن.
تأخذ اللوحة من جدارها، وتضعها في قلب التاريخ، وتأخذ التاريخ من برودة الوثيقة، وتعيد إليه حرارة الإنسان.
فالفن عندها ليس لونًا فقط، والبحث ليس معلومات فقط، والأكاديمية ليست لقبًا فقط.
إنها ثلاثية تصنع خطابًا يقول:
إن الأمم لا تُقرأ بما كتبته عن نفسها فقط، بل بما رسمه فنانوها عنها.
ولذلك أكتب عن رويدا الرافعي.
أكتب عنها لأن بعض التجارب تستحق أن تُقال بصوت عالٍ، ولأنها جعلت من اللوحة نافذة على السياسة، ومن الفن مرآة للإنسان، ومن البحث جسرًا بين الذاكرة والحاضر.
شكرًا لأنك لم تتركي اللوحة صامتة.
شكرًا لأنك أصغيتِ إلى ما وراء اللون.
وشكرًا لأنك جعلتِ من الفن شاهدًا لا ينسى.
ففي زمن يكثر فيه الكلام وتقلّ الذاكرة، تبقى هناك لوحات تتكلم…
ويبقى هناك من يعرف كيف يصغي إليها.
