هناك كتّاب يكتبون لأنهم يحبون الحروف، وهناك كتّاب تكتبهم الحياة قبل أن يكتبوا هم الحياة.
ونزهة عزيزي تبدو من الصنف الثاني.
امرأة جزائرية خرجت من القنادسة، تلك البلدة التي لا تبدو على الخريطة مجرد نقطة في الجنوب الغربي، بل تبدو في سيرتها مختبرًا للذاكرة، وواحة للعلم والعرفان، ومهدًا لذلك الحنين الذي لا يغادر صاحبه مهما ابتعدت المسافات.
ولدت الكتابة عند نزهة عزيزي في بيئة تعرف قيمة الكتاب؛ فقد تحدثت عن جدها مدرس اللغة العربية، وعن والدها الكاتب والإعلامي عبد الله عزيزي، وعن البيت الذي جعل القراءة جزءًا من تكوينها المبكر. ثم درست الإعلام والاتصال في الجزائر، وخاضت تجربة العمل الإذاعي في إذاعة الساورة ببشار، قبل أن تحمل تجربتها إلى فرنسا، حيث واصلت دراستها وعملت في مجال التأطير والاستشارة في التشغيل.
لكن اللافت في حكايتها ليس أنها هاجرت.
اللافت أنها لم تسمح للهجرة أن تهاجر منها الجزائر.
وهنا تحديدًا تبدأ الحكاية التي تستحق أن تُروى.
ففي زمن يستطيع فيه المنفى أن يمحو ملامح الإنسان، اختارت نزهة أن تجعل من الاغتراب نافذة لا قطيعة، ومن فرنسا فضاءً جديدًا للعيش دون أن تكون مقبرة للذاكرة. وهي تقول بوضوح إن الاندماج في المهجر لا يعني الانسلاخ عن الهوية، وإن الإنسان يستطيع أن يمد جذوره في أرض جديدة دون أن يقتلع جذوره الأولى.
وهذه ليست فكرة نظرية عندها؛ إنها تجربة حياة.
من القنادسة إلى فرنسا، بقيت الصحراء تمشي معها.
بقيت القنادسة في اللغة، وفي الذاكرة، وفي المقال، وفي السؤال، وفي ذلك التعلق اللافت بالتراث القندوسي والخزانة الزيانية. وعندما كتبت عن الخزانة القندوسية، لم تكن تتعامل معها كحجارة ومخطوطات فقط، بل كجزء من روح المكان، وكذاكرة علمية وثقافية تخشى عليها من النسيان.
وهنا تظهر قيمة أخرى في تجربتها:
نزهة عزيزي لا تكتب عن المكان من خارجه؛ إنها تكتب من داخله.
تعود إلى القنادسة بعين الكاتبة التي غادرت، وبقلب ابنة المكان التي لم تغادره.
ولهذا تبدو الصحراء في نصوصها أكثر من جغرافيا؛ إنها ذاكرة، وملجأ، وسؤال عن الذات، وممر إلى الروح.
أما شعرها، فله حكاية أخرى.
فديوانها «همسات متمردة» ليس عنوانًا بريئًا؛ إنه يلخص جانبًا من شخصيتها الكتابية: همسٌ لا يخلو من النار، وتمردٌ لا يخلو من الشعر. وقد وصفتها إحدى المقابلات المنشورة بأنها صاحبة كتابة جريئة واستفزازية، تقترب من المسكوت عنه، وتتعامل مع الكتابة باعتبارها حالة ولادة ومخاض متجدد.
وهذا بالضبط ما يجعل تجربتها جديرة بالقراءة.
إنها لا تبحث عن الكتابة الآمنة.
تبحث عن الكتابة التي تترك أثرًا.
عن الجملة التي توقظ سؤالًا.
عن النص الذي لا يمر على القارئ كما يمر الهواء على نافذة مغلقة.
وفي كتابتها الصحفية يظهر وجه آخر لنزهة عزيزي: وجه الباحثة التي لا تكتفي بأن تكون شاعرة وجدانية، بل تقتحم موضوعات الفكر والمجتمع والمرأة والهوية والتاريخ. وقد نشرت حوارات ومقالات في منابر عربية، من بينها حوارها مع الكاتب الجزائري محمد بصري، حيث ناقشت معه إيزابيل إيبرهارت والقنادسة والتاريخ الثقافي للمنطقة. كما واصلت نشر مقالاتها، ومن بينها مقال عن العلمانية في الجزائر نشر عام 2024.
إنها إذن ليست شاعرة فحسب.
وليست صحفية فحسب.
وليست كاتبة مهاجرة فحسب.
إنها حالة تجمع هذه الأصوات كلها في صوت واحد.
صوت امرأة جزائرية تعرف أن الكلمة يمكن أن تكون وطنًا.
ولعل أجمل ما في تجربتها أنها لم تجعل المرأة قضية موسمية في كتابتها، بل جعلتها سؤالًا دائمًا. تأثرت بكاتبات مثل نوال السعداوي وآسيا جبار وفاطمة المرنيسي وأحلام مستغانمي، ثم اكتشفت في المهجر أن أسئلة الهيمنة والذكورية ليست حكرًا على مجتمع بعينه.
وهنا يصبح قلمها أكثر من قلم أدبي.
يصبح موقفًا.
فالمرأة عند نزهة ليست صورة معلقة على جدار الأدب، وليست شخصية تنتظر أن يكتب الرجل مصيرها؛ إنها كائن يحق له أن يسأل، وأن يختلف، وأن يرفض، وأن يختار، وأن يقول «لا» عندما يكون الصمت أسهل.
ومن هنا تأتي جرأتها.
لا من الرغبة في الصدمة، وإنما من الإيمان بأن بعض الأسئلة لا ينبغي دفنها خوفًا من ضجيج الإجابات.
لقد اختارت أن تكون الكلمة عندها مساحة للحرية.
ولهذا أكتب عن نزهة عزيزي.
لا لأنني أريد أن أضيف اسمًا إلى قائمة الأسماء.
ولا لأن المديح غاية في ذاته.
بل لأن هناك تجارب إبداعية تستحق أن تُخرج من الظل، خصوصًا حين تأتي من الهامش الجغرافي، ومن الجنوب، ومن فضاء الهجرة، ومن تجربة امرأة جزائرية اختارت أن تواصل الكتابة بلغة الوطن وهي تعيش بعيدًا عنه.
أكتب عنها لأن القنادسة التي أنجبتها تستحق أن تُرى من خلال أبنائها المبدعين.
وأكتب عنها لأن الجزائر لا ينبغي أن تُختصر في العاصمة والمدن الكبرى؛ ففي أقصى الجنوب الغربي أيضًا تولد الكلمات، وتكبر الأحلام، وتخرج أقلام تحمل تاريخ المكان إلى العالم.
وأكتب عنها لأن نزهة عزيزي تمثل شيئًا جميلًا في المثقف الجزائري المهاجر: أن تسافر بالجسد ولا تسافر بالذاكرة.
أن تتعلم لغة العالم دون أن تنسى لغة القلب.
أن تندمج دون أن تذوب.
أن تعيش في فرنسا، لكن تظل القنادسة قادرة على إشعال مصباح في أعماقك.
أن تكتب عن العالم، بينما تسكن الجزائر في المسافة بين كلمة وكلمة.
لهذا، حين نقرأ نزهة عزيزي، لا ينبغي أن نبحث فقط عن الكاتبة.
علينا أن نبحث عن المرأة التي حملت طفولتها، وعن ابنة القنادسة، وعن الإعلامية التي عرفت الميكروفون، وعن الشاعرة التي تمرّد نصها، وعن المهاجرة التي رفضت أن يكون الاغتراب اقتلاعًا، وعن الصحفية التي عادت إلى الذاكرة والتراث، وعن الإنسانة التي جعلت من الكتابة وسيلة للبقاء في مواجهة النسيان.
نزهة عزيزي ليست مجرد قلم جزائري في فرنسا.
إنها واحدة من تلك الأقلام التي تسافر كثيرًا، لكنها لا تنسى عنوانها الأول.
وحين تكتب، يبدو الأمر كأن الصحراء نفسها أمسكت بالقلم.
صحراء القنادسة…
بكل صمتها، وبكل اتساعها، وبكل أسرارها القديمة.
ثم قالت:
أنا هنا… ما زلت أكتب.
