ما أجمل أن تُقرأ القضايا الوطنية الكبرى بعينٍ ترى ما وراء الحدث، وما أعمق أن يتحول القلم من مجرد وصف الفرصة إلى استشراف ما يمكن أن تصنعه للأردن من أثرٍ باقٍ. وهذا تحديداً ما نجح فيه الأستاذ راكان عصام فاخوري في مقاله حول مبادرة إحياء الذكرى الألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح عام 2030، إذ قدّم رؤية تستحق الإشادة، لأنها جمعت بين روحانية المكان، وعمق الانتماء الوطني، وبعد النظر الاقتصادي والاستراتيجي.
لقد أصاب الكاتب جوهر القضية حين رفض أن يُنظر إلى المغطس باعتباره موقعاً سياحياً فحسب، وأعاد وضعه في مكانه الطبيعي باعتباره أمانة روحية وتاريخية، وأصلاً وطنياً، وجسراً إنسانياً يصل الأردن بالعالم.
فالمغطس ليس حجارةً وماءً وجغرافيا؛ إنه ذاكرة إيمانية حية، وموضع ارتبط بحدث جليل في التاريخ المسيحي، وأرض أردنية تحمل للعالم رسالة سلام ومحبة ووئام. ومن هنا فإن الحديث عن تطويره لا ينبغي أن يكون حديثاً عن السياحة وحدها، بل عن مسؤولية وطنية في صون إرث إنساني وروحي عظيم، وتقديمه للعالم بالصورة التي تليق بمكانته.
ويحسب للكاتب أنه لم يتوقف عند حدود الاحتفاء بالمناسبة، بل طرح السؤال الأهم والأكثر عمقاً: ماذا نريد أن يبقى للأردن بعد عام 2030؟
وهنا تكمن قيمة المقال الحقيقية.
فالحدث مهما كان عظيماً ينتهي زمنياً، أما الإرث الذي يُبنى حوله فيمكن أن يستمر لأجيال. وهذه هي الرؤية التي يحتاجها الأردن اليوم؛ أن نحول عام 2030 من موعد على التقويم إلى مشروع وطني متكامل، ومن مناسبة استثنائية إلى مسار دائم يعزز مكانة المملكة على خريطة الحج المسيحي العالمي.
وقد كان موفقاً في ربط المغطس بمادبا وجبل نيبو ومكاور والبحر الميت وعمان والسلط وغيرها من المواقع الدينية والتاريخية، لأن الأردن لا يمتلك موقعاً مقدساً واحداً فحسب، بل يمتلك سردية متكاملة على أرضه. سردية تجمع الأديان والتاريخ والحضارة والطبيعة، وتمنح الزائر فرصة ألا يزور مكاناً فقط، بل أن يعيش قصة وطنٍ ضارب في جذور التاريخ.
وهنا تتحول السياحة الدينية من زيارة عابرة إلى رحلة إيمانية وإنسانية وحضارية، ومن ساعات يقضيها الزائر إلى أيام يعيش فيها الأردن، ويتعرف إلى أهله وتراثه وثقافته وأسواقه وكنائسه ومساجده ومواقعه التاريخية.
والأجمل في رؤية الكاتب أنه لم يختزل النجاح في أعداد الزوار، بل ربطه بما هو أبعد: مدة الإقامة، وحجم الإنفاق، والاستثمار، وفرص العمل، والاستفادة التي تعود على أبناء المجتمعات المحلية. وهذا هو الفهم الحقيقي للتنمية السياحية؛ أن يكون الزائر ضيفاً عزيزاً، وأن يكون المجتمع المحلي شريكاً في استقباله وصناعة تجربته والاستفادة من حضوره.
أما البعد الروحي والوطني في المقال، فهو الأكثر حضوراً وتأثيراً.
فالأردن لا يحتاج إلى اختراع رسالة للعالم؛ رسالته موجودة في أرضه وتاريخه وشخصيته الوطنية. إنه بلد احتضن عبر قرون طويلة التنوع الديني والحضاري، وقدّم نموذجاً في الاعتدال والعيش المشترك والوئام، ويحمل إرثاً هاشمياً راسخاً في رعاية المقدسات واحترامها.
ومن هنا فإن مبادرة 2030 يمكن أن تكون أيضاً مناسبة لتعريف العالم بالأردن كما هو: بلد سلام وأمان، وبلد حضارة، وبلد تسامح، وبلد يعرف قيمة المقدس ويحترم معتقدات الآخرين.
وهذه قوة ناعمة لا تُشترى بالمال، بل تُبنى بالثقة والصدق وحسن تقديم الصورة الحقيقية للأردن.
كما أن إشارة الكاتب إلى أهمية التواصل المبكر مع الكنائس العالمية والفاتيكان ومؤسسات الحج والجامعات ووسائل الإعلام والمؤسسات الأكاديمية، تؤكد أن صناعة النجاح تبدأ قبل وصول الحاج إلى الأردن بوقت طويل. فالحاج الذي سيأتي إلى المغطس عام 2030 يجب أن يكون قد سمع عن الأردن، وقرأ عنه، وشاهد صورته، وتعرف إلى قصته، وشعر بأنه ذاهب إلى أرض لها مكانتها في إيمانه ووجدانه.
وفي هذا السياق، فإن المطلوب ليس حملة إعلامية موسمية، وإنما بناء حضور أردني دائم في الوعي المسيحي العالمي.
ولعل أجمل ما في المقال أنه يضع قدسية المغطس في قلب أي عملية تطوير. فالتطوير الحقيقي ليس في أن نكثر من المنشآت إلى الحد الذي يطغى فيه العمران على الروح، ولا في أن نحول المكان المقدس إلى مساحة تجارية صاخبة، وإنما في أن تكون كل خدمة وكل طريق وكل منشأة وكل مشروع في خدمة قدسية المكان وراحة الحاج وكرامة التجربة الروحية.
إن رأس مال المغطس الأول هو قداسته، وأمانته الروحية، وهدوء المكان وخصوصيته، وأي تطوير لا يحمي هذه العناصر يفقد المشروع جزءاً من قيمته مهما بلغت كلفته.
ومن هنا، فإن المقال لا يستحق الإشادة فقط لأنه تناول موضوعاً مهماً، بل لأنه قدّم زاوية وطنية ناضجة تقول إن الأردن قادر على أن يحول إرثه الديني والتاريخي إلى مستقبل اقتصادي وسياحي وإنساني، من دون أن يفقد أصالته أو روحه.
والاهتمام الملكي بمبادرة 2030 يمنحها ثقلاً وطنياً كبيراً، ويؤكد أن المغطس يحظى برؤية تتجاوز حدود المناسبة إلى بناء مستقبل أكثر حضوراً للأردن في العالم.
لكن كما أشار الكاتب بحق، فإن هذا الاهتمام يضع أمام مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المحلي مسؤولية تاريخية: أن ننتقل من التمني إلى التخطيط، ومن الخطاب إلى التنفيذ، ومن الاحتفال إلى صناعة الإرث.
إننا أمام فرصة لا تتكرر كثيراً.
فرصة يستطيع الأردن من خلالها أن يقول للعالم، لا بالكلمات وحدها بل بالفعل: هنا أرضٌ مقدسة، وهنا وطنٌ يحترم مقدساته، وهنا شعبٌ يفتح قلبه لضيوفه، وهنا قصة إنسانية أردنية تستحق أن تُروى للعالم.
وفي تقديري، فإن العبارة التي ختم بها راكان عصام فاخوري مقاله تختصر المشروع كله:
المغطس 2030 ليس حدثاً ننتظره، بل فرصة علينا أن نحسن صناعتها.
وأضيف إليها:
إن أحسنّا صناعة هذه الفرصة، فلن يكون إرث 2030 في عدد الذين زاروا المغطس، بل في عدد الذين غادروا الأردن وهم يحملون في قلوبهم محبة هذا الوطن، وفي عدد الذين سيعودون إليه، وفي الصورة التي ستبقى للأردن في وجدان العالم.
هكذا تتحول المناسبة إلى رسالة، والموقع إلى جسر، والقداسة إلى قوة ناعمة، والسياحة إلى تنمية، والحدث إلى إرث وطني.
وهكذا أيضاً نكون قد أوفينا المكان حقه، والوطن حقه، والتاريخ حقه، وتركنا للأجيال القادمة ما هو أبقى من احتفال عابر: أردناً حاضراً في وجدان العالم، ومغطساً يظل شاهداً على أرضٍ حملت رسالة الإيمان والسلام، وستبقى تحملها.
