تجلّل العناوين البرّاقة جلسات التشريع، ويُزيّن النواب خطاباتهم بشعارات “الصفحة الجديدة” و”المصالحة”، بينما تحاك في الكواليس طبقات من التسويات. إن قوانين العفو العام، متى غادرت دائرة العدالة وتحوّلت إلى دفاتر شروط حزبية، تصبح كارثة وطنية تكسر المحرمات الإنسانية وتترك الضحايا يواجهون استباحة كراماتهم بقوة القانون. لا يصدر العفو استجابة لنداء الإنسانية، بل يُصنع على مقاسات الحاجة السياسية الضيقة، متخفياً خلف واجهة مزيفة تروج لتخفيف اكتظاظ السجون، بينما تكمن الحقيقة في هندسة نصوص فضفاضة لإخراج المحسوبين على مراكز القوى، وغسل سجلات الفاسدين، وتحويل أروقة البرلمان إلى بورصة لتبادل المصالح.
لم تُكتب هذه الثغرات مصادفةً، بل زرعت “مفاتيح طوارئ” عبر صياغة معايير دقيقة للزمان والمكان وتصنيف الجرائم، لتفتح أبواب الزنازين أمام الحلفاء وتُبقي الخصوم تحت مقصلة العقاب. يرافق ذلك تبييض للفساد المنظم عبر إدراج جرائم النهب والإثراء غير المشروع ضمن بنود تتيح الإسقاط بشرط تسويات مالية سريعة. بل إن المأساة تتجلى في ملف المخدرات؛ بحيث يُسوق للعفو كطوق نجاة للمتعاطين، بينما تُفصّل الاستثناءات التشريعية بذكاء ليتسلل منها التجار والمروجون الكبار المحميّون سياسياً تحت ستار إعادة تكييف التهم.
ويكتمل هذا العبث بإسقاط الحق الشخصي بالإكراه عبر ضغوط عشائرية وسياسية تجبر الضحايا على التنازل ليحصل الجاني على براءة مصادق عليها قضائياً. وتبلغ ذروة السقوط الأخلاقي حين تمتد المساومة لتطاول الجرائم الجنسية والاغتصاب؛ فحين يُمنح مغتصب صك حرية بقرار تشريعي، فإن السلطة لا تعفو عن مجرم فحسب، بل تمارس اغتصاباً ثانياً للضحية واغتيالاً معنوياً مستمراً لها وهي ترى معتديها يسرح بلا عقاب.
ولا يكتمل هذا العبث التشريعي عند الحدود الجنائية، بل يمتد ليتكامل مع تقييد الكلمة الحرة عبر قوانين إعلام ملغومة تستخدم مصطلحات مطاطة مثل “النيل من هيبة الدولة” أو “تعكير الصفاء العام”، لتصبح كل كلمة انتقاد عرضة للتأويل المزاجي. تترسخ هذه المنظومة بفرض عقوبات الحبس السالبة للحرية واستغلال دعاوى القدح والذم أداة ضغط لاستنزاف الكاتب وإلهائه في أروقة المحاكم، بينما ينعم ناهبو الوطن بالصمت والحرية.
كذلك، يتجلى أشد صور الاستعلاء التشريعي في التعاطي مع ملف المبعدين؛ فعندما يقترن أفق العودة بشروط مذلة، كالمطالبة بالتخلي عن الجنسية الإسرائيلية كشرط مسبق لدخول الوطن، نكون أمام مهزلة إنسانية وقانونية. فالوطن ليس ملكية خاصة لمجموعة سياسية، والانتماء لا يُشترط، والعودة حق مقدس لا يقبل المساومة.
إن أي قانون عفو أو إعلام يُولد في كواليس الصفقات ويحمل ثغرات تُفلت الفاسدين وتجار السموم هو وثيقة باطلة أخلاقياً وفاقدة لأي شرعية. العدالة لا تقبل التجزيء، وحان الوقت لرفع الصوت بوجه هذا الانهيار لنقول بمنتهى الوضوح: لا سجن لصاحب كلمة، لا عفو عن دم أو سمّ، لا تسامح مع مغتصب، ولا تنازل عن الكرامة والهوية تحت أي ذريعة.
*كاتبة وباحثة
