لم تعد المأسسة في عالم مؤسسات المجتمع المدني تعني ما كانت تعنيه قبل عقدين أو ثلاثة. ففي مرحلة سابقة، كان الانتقال من المبادرة الفردية أو العمل التطوعي إلى جمعية مسجلة تمتلك نظامًا داخليًا، ومجلس إدارة، وهيكلًا تنظيميًا، وسياسات مالية وإدارية، خطوة متقدمة في بناء المؤسسة. أما اليوم، فقد أصبحت هذه العناصر شروطًا ضرورية، لكنها لم تعد كافية للحكم على مدى قوة المؤسسة ونضجها.
لقد تغير السؤال. لم يعد: هل لدى المنظمة أنظمة وسياسات؟ بل أصبح: هل تستطيع المنظمة أن تستمر وتتعلّم وتتطور وتحافظ على رسالتها عندما يتغير الأشخاص والتمويل والظروف؟
نشأت الكثير من مؤسسات المجتمع المدني حول أشخاص امتلكوا فكرة أو قضية وقدرة على الحشد والقيادة. وكان للمؤسسين والقيادات التاريخية دور أساسي في بناء هذه المؤسسات. لكن التحدي يبدأ عندما تصبح العلاقات والمعرفة والقرارات والذاكرة المؤسسية مرتبطة بعدد محدود من الأشخاص.
قوة القيادة ضرورية، لكن المأسسة تبدأ عندما تتحول قوة القائد إلى قوة للمؤسسة. فالقيادة الناجحة ليست التي تجعل المؤسسة عاجزة عن العمل من دونها، بل التي تبني أنظمة وقيادات جديدة، وتوزع الصلاحيات، وتحفظ المعرفة، بحيث تستطيع المؤسسة الاستمرار والتطور بعد تغير الأشخاص.
ولعل أحد أكثر الأسئلة بساطة وقدرة على كشف مستوى المأسسة هو: ماذا سيحدث للمؤسسة إذا غادر أبرز قادتها غدًا؟
في المقابل، توسعت مؤسسات المجتمع المدني في تطوير السياسات والأنظمة المتعلقة بالحوكمة، والموارد البشرية، والمشتريات، والرقابة المالية، وإدارة المخاطر، وتضارب المصالح، والشكاوى، والمساءلة، والحماية. لكن وجود هذه السياسات لا يعني بالضرورة أن المؤسسة أصبحت أكثر مؤسسية.
فالسياسة التي لا تطبق، أو التي تطبق على بعض العاملين دون غيرهم، أو التي يتم تجاوزها عندما تصبح غير ملائمة، لا تصنع مؤسسة. الفارق الحقيقي هو الانتقال من وجود النظام إلى سيادة النظام؛ أي أن تخضع القيادة والموظفون للقواعد نفسها، وأن تتحول المساءلة إلى ثقافة، وأن يصبح اكتشاف الأخطاء مدخلًا للتعلم وتصحيح الأنظمة ومنع تكرارها.
فالمؤسسة الناضجة ليست المؤسسة التي لا تخطئ، بل المؤسسة التي تمتلك القدرة على اكتشاف أخطائها، والاعتراف بها، والتعلم منها.
هل ندير مؤسسات أم ندير مشاريع؟
هذه واحدة من أكثر الإشكاليات التي تواجه المجتمع المدني اليوم.
يعتمد جزء كبير من تمويل مؤسسات المجتمع المدني على المشاريع: تمويل محدد، لمدة زمنية محددة، لتحقيق نتائج ومؤشرات محددة. ينتهي المشروع، فتبدأ المؤسسة البحث عن المشروع التالي.
ومع مرور الوقت، قد تتحول المنظمة إلى مجموعة من المشاريع المتجاورة، لكل منها فريقه وموازنته ومانحه وأولوياته، بينما تبقى المؤسسة نفسها بحاجة إلى الاستثمار في استدامتها، وتطوير قياداتها، وإدارة معرفتها، وبناء مواردها، وتعزيز قدرتها على التخطيط للمستقبل.
وهنا تظهر مفارقة واضحة: قد تكون المنظمة ناجحة جدًا في تنفيذ المشاريع، لكنها هشة جدًا كمؤسسة.
فعندما يؤدي توقف عدد من المنح إلى تهديد وجود منظمة عملت سنوات طويلة، يصبح من الضروري التساؤل عما إذا كنا قد استثمرنا فعلًا في بناء المؤسسة أم اكتفينا ببناء قدرتها على تنفيذ المشاريع.
المشروع يجب أن يخدم رسالة المؤسسة، لا أن تعيد المؤسسة صياغة رسالتها باستمرار لتناسب فرص التمويل.
لمن تكون المؤسسة مسؤولة
ساهم التمويل الدولي في تطوير الكثير من معايير الإدارة والرقابة والجودة داخل المجتمع المدني. لكنه أدى في بعض الحالات إلى انتقال مركز المساءلة تدريجيًا نحو الجهة المانحة.
أصبحت بعض المؤسسات تعرف بدقة ما الذي يريده المانح، وما المؤشرات التي يريد قياسها، وما اللغة التي يتوقع قراءتها في التقارير، لكنها قد لا تمتلك الآليات نفسها لمعرفة ما يريده المجتمع الذي تعمل فيه.
وهنا يصبح السؤال عن الشرعية جزءًا أساسيًا من المأسسة.
فالشرعية القانونية مهمة، والالتزام بالمعايير مهم، وثقة المانحين ضرورية، لكن مؤسسة المجتمع المدني تحتاج قبل ذلك وبعده إلى شرعية اجتماعية تستمدها من ثقة الناس ومشاركتهم وقدرتها على الاستماع إليهم ومساءلة نفسها أمامهم.
فالناس ليسوا مجرد مستفيدين من مشروع. إنهم في الأصل سبب وجود المؤسسة.
عندما تغادر المعرفة مع الموظفين
تمتلك مؤسسات المجتمع المدني ثروة كبيرة لا تظهر عادة في موازناتها: المعرفة المتراكمة.
موظف عمل سنوات طويلة مع الأطفال، وآخر يعرف تفاصيل مجتمع محلي، ومدير برنامج عاش أزمات متعددة، وفريق جرّب أساليب نجحت وأخرى فشلت. هذه الخبرات تشكل معرفة قد تكون أكثر قيمة من كثير من التقارير والدراسات.
لكن ماذا يحدث عندما يغادر هؤلاء؟
في مؤسسات كثيرة، تغادر معهم نسبة كبيرة من المعرفة. ينتهي المشروع، ويحفظ التقرير، ويغادر الموظف، ثم يأتي فريق جديد ليبدأ جزءًا كبيرًا من رحلة التعلم من جديد.
وهنا نصل إلى مستوى أكثر تقدمًا من المأسسة: المأسسة المعرفية.
فالخبرة الفردية يجب أن تتحول إلى معرفة جماعية، والمعرفة إلى تعلم، والتعلم إلى قرارات، والقرارات إلى سياسات وممارسات جديدة. عندها تصبح الخبرة ملكًا للمؤسسة، لا ملكًا للأشخاص الذين عاشوها.
من نقل المعرفة إلى إنتاجها
تكتسب هذه القضية أهمية أكبر بالنسبة إلى المؤسسات المحلية.
على مدى عقود، انتقلت الكثير من الأدوات والمناهج والمعايير من المؤسسات الدولية إلى المؤسسات المحلية. وقد ساهم ذلك بلا شك في تطوير العمل المهني وتحسين الجودة.
لكن السؤال اليوم هو: هل ستبقى المؤسسة المحلية مستخدمًا محترفًا للمعرفة التي ينتجها الآخرون، أم ستصبح منتجًا للمعرفة أيضًا؟
المؤسسات المحلية تعيش داخل المجتمعات، وتراكم خبرات طويلة، وتفهم التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية، وتختبر يوميًا حلولًا ومقاربات مختلفة. وبالتالي، فإن المعرفة الناتجة عن هذه التجربة يجب ألا تبقى مجرد مادة تستخدم لإعداد تقارير المشاريع، بل ينبغي أن تتحول إلى معرفة مؤسسية تساهم في تطوير السياسات والممارسات.
ومن هنا يرتبط توطين العمل التنموي والإنساني بتوطين المعرفة. فالتوطين لا يكتمل بتحويل المزيد من التمويل إلى المؤسسات المحلية أو منحها مساحة أكبر في التنفيذ. يصبح أكثر عمقًا عندما تشارك هذه المؤسسات في تعريف المشكلات، وإنتاج المعرفة، وتصميم الحلول، ووضع الأولويات واتخاذ القرار.
المأسسة لا تعني المزيد من البيروقراطية
من الأخطاء الشائعة الخلط بين المأسسة وكثرة الإجراءات.
فالمؤسسة التي تحتاج إلى سلسلة طويلة من الموافقات لاتخاذ قرار بسيط ليست بالضرورة أكثر مؤسسية. وفي الأزمات تحديدًا، قد تصبح البيروقراطية عائقًا أمام الاستجابة الفعالة.
المأسسة الحديثة تعني بناء نظام يستطيع الجمع بين الرقابة والمرونة، والمساءلة وسرعة القرار.
فالمؤسسة التي تعمل بلا ضوابط تعرض نفسها لمخاطر كبيرة، والمؤسسة التي تشلها الإجراءات قد تفقد قدرتها على الاستجابة والتكيف. والنضج المؤسسي يظهر في القدرة على تحقيق التوازن بين الاثنين.
نحو جيل جديد من المأسسة
يمكن النظر إلى تطور المأسسة في المجتمع المدني من خلال ثلاث مراحل مترابطة.
بدأت المرحلة الأولى بالمأسسة التنظيمية: التسجيل، والهيكل، ومجلس الإدارة، والأنظمة والسياسات.
ثم جاءت مرحلة مأسسة الحوكمة والجودة: الرقابة، والمساءلة، وإدارة المخاطر، والالتزام بالمعايير وقياس الأداء.
أما التحدي اليوم فهو الانتقال إلى المأسسة المعرفية والتكيفية: المؤسسة التي تتعلم من تجربتها، وتنتج المعرفة، وتوزع القيادة، وتحافظ على ذاكرتها، وتستثمر في كوادرها، وتتكيف مع الأزمات، وتحافظ في الوقت نفسه على هويتها وصلتها بالمجتمع.
هذه المرحلة لا تلغي ما سبقها. فلا تعلم مؤسسيًا دون أنظمة، ولا مرونة حقيقية دون حوكمة. لكنها تنقل مفهوم المأسسة من الاهتمام بالهياكل والإجراءات وحدها إلى بناء مؤسسة قادرة على التعلم والتجدد والاستمرار.
هل بنينا مؤسسة تستطيع أن تعيش بعدنا؟
في النهاية، لا تقاس المأسسة بحجم الموازنة، ولا بعدد الموظفين، ولا بعدد المشاريع، ولا بعدد السياسات التي تمتلكها المنظمة الاختبار الحقيقي أكثر صعوبة.
إذا تغير المدير وبقيت المؤسسة، وإذا انتهى المشروع وبقيت الرسالة، وإذا غادر الموظف وبقيت المعرفة، وإذا تغير المانح وبقيت الأولويات، وإذا جاءت الأزمة فتغيرت الأدوات وبقيت القيم والمعايير، عندها يمكن القول إننا أمام مؤسسة حقيقية.
فجوهر المأسسة هو تحويل التجربة إلى ذاكرة، والقيم إلى ممارسة، والمعرفة إلى ملك مؤسسي، والقيادة إلى قدرة جماعية، والمشاريع إلى أدوات لخدمة رسالة مستدامة.
لذلك، ربما لم يعد السؤال الأهم الذي ينبغي أن تطرحه مؤسسات المجتمع المدني على نفسها: كم كبرنا؟
بل: هل بنينا مؤسسة تستطيع أن تعيش بعدنا
