عروبة الإخباري –
الخبر ريتا بولس شهوان –
يُمثّل اختزال العنف الأسري في إطار “الاعتداء البدني العابر” أو “النزاع المنزلي الضيق” خطيئة تشريعية واجتماعية جسيمة؛ إذ تُثبت الوقائع القضائية والاجتماعية أن العنف ليس إلا “الجرم التأسيسي” الذي يُطلق سلسلة متوالية من الجرائم والانتهاكات المركبة. تبدأ هذه السلسلة بكسر إرادة الضحية داخل المنزل، وتتمدد لتصادر سمعتها وذمتها المالية، وتخترق فضاءها المهني عبر محاولات فرض الوصاية الذكورية وإحلال المعتدي نفسه مكانها في إدارة أعمالها ووظيفتها، لتصل في ذروة مأساتها إلى التجريد المالي الممنهج الذي يدفع بالمرأة وأطفالها نحو هاوية الفقر المطلق، التسوّل، والسقوط في شِباك شبكات الدعارة القسرية والاتجار بالبشر.
في مواجهة هذا الأخطبوط الجرمي، يقف القانون اللبناني رقم 293/2014 (حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري) ومعه قانون العمل اللبناني في حالة عجز بنيوي وازدواجية تشريعية عقيمة؛ حيث أفرغت النصوص التسووية الحماية من محتواها، وتركت المرأة فريسة سهلة في بيئة اقتصادية وسوق عمل منهارين.
أولاً: تشظي الجرم الأساس وتناسل الانتهاكات الجزائية
ما إن تحاول الضحية كسر حلقة العنف باللجوء إلى القضاء، حتى يتحول الاعتداء المنزلي إلى شبكة من الجرائم المتناسلة التي يُعاقب عليها قانون العقوبات العام:
الابتزاز، التهويل، والاغتيال المعنوي:
يلجأ الجاني إلى ارتكاب جرائم القدح والذم والتشهير (المواد 582 وما يليها) والابتزاز والتهويل (المادة 650 عقوبات)، عبر فبركة شائعات تطال شرف الضحية وأهليتها الأخلاقية، والتهديد بنشر خصوصياتها أو سلب أطفالها لإرغامها على إسقاط الشكاوى والرضوخ التام.
التحريض النفعي والابتزاز الأسري بالوكالة:
تتسع دائرة الاستهداف بتدخل أطراف أسرية ثالثة (أهل الجاني أو محيطه العائلي) لا يملكون أي صفة أو حصص في أعمال الضحية وممتلكاتها، لكنهم يمارسون تحريضاً طفيلياً لابتزازها وانتزاع عوائد مالية وإتاوات تحت طائلة تصعيد النزاع وتدمير استقرارها إن لم تدفع “ثمن سكوتهم”.
ثانياً: اغتيال الأمان الوظيفي، فرض الوصاية، وازدواجية القصور التشريعي
تتجلى أفظع مظاهر العنف الاقتصادي والرمزي في سعي المعتدي وأسرته إلى مصادرة الاستقلال المهني للضحية وتحويلها إلى تابع مجرد من الأهلية، وذلك عبر استغلال الثغرات الصارخة في كل من قانون العمل وقانون العنف الأسري:
1. الحلول القسري مكان الضحية ومحاولة فرض الوصاية على عملها:
مصادرة القرار والتمثيل غير الشرعي: لا يكتفي المعتدي بتعنيف الضحية، بل يسعى إلى إلغاء شخصيتها القانونية والمهنية؛ حيث يتدخل مباشرة لدى رب عملها، أو عملائها، أو شركائها التجاريين، مدعياً “تمثيلها” أو محاولاً فرض وصايته على عقودها، قراراتها، ومداخيلها المالية.
الاستيلاء على المشاريع وإدارتها بالإكراه: إذا كانت المرأة تدير مشروعاً خاصاً أو شركة، يعمد المعتدي والمحرضون من عائلته إلى الحضور في مقر العمل، وإعطاء التوجيهات للموظفين، واعتراض المعاملات البنكية، والضغط لتوقيع وكالات عامة أو تفويضات بالتوقيع لصالحه، بهدف تحويلها إلى واجهة شكلية بينما يسيطر هو على الأرباح والقرارات الاستراتيجية.
التحكم بعائدات العمل وحظر التصرف: ممارسة ضغوط قسرية لمصادرة بطاقات الائتمان وحسابات القبض، واشتراط “الإذن المسبق” لأي إنفاق، بما يعيد إنتاج علاقة العبودية الاقتصادية داخل فضاء العمل الحديث.
2. استهداف مصدر الرزق وتدمير السمعة المهنية:
يمتد التحريض الميداني إلى مقر عمل الضحية؛ إذ يقتحم المعتدي والمحرضون المؤسسة، ويفتعلون مشادات صاخبة، ويتصلون بالإدارة والزملاء لتلفيق اتهامات تمس أمانتها وسلوكها، لخلق بيئة عمل عدائية تطوق الضحية بنظرات التشكيك والإحراج.
3. القصور الفاضح في التشريعات القائمة (قانون العمل وقانون 293):
عجز قانون العمل اللبناني:
يفتقر قانون العمل لأي نص يعترف بالعنف الأسري كعامل يهدد استقرار الموظفة، ولا يوفر أي حماية ضد الصرف التعسفي (المادة 50 من قانون العمل)؛ إذ تستغل إدارات الشركات هذه المادة للتخلص من الضحية بذريعة “الحفاظ على الهدوء ومنع المشاكل”، دون أي التزام بتوفير الحماية الميدانية لها أو منع دخول المعتدي.
لا يجرّم قانون العمل تدخل طرف ثالث غير ذي صفة (الزوج أو الأقارب) في علاقة العمل التعاقدية بين الأجيرة ورب العمل.
عجز قانون العنف الأسري (القانون 293):
صُمم القانون بعقلية منزلية ضيقة تنحصر في “منزل الزوجية والملبس والأثاث المنزلي البسيط”، وجاء أعمى تماماً عن الفضاء التجاري والمهني؛ فلا يمنح قاضي الأمور المستعجلة صلاحية إصدار قرارات تجارية فورية تمنع المعتدي من الاقتراب من مقر الشركة، أو تحظر عليه التدخل في السجلات التجارية، الحسابات المصرفية، أو مخاطبة العملاء والشركاء.
4. الحلول التشريعية المقترحة لتطوير المنظومة وحماية بيئة العمل:
تعديل قانون العمل:
تجريم الصرف التعسفي للمرأة بسبب تعرضها للعنف الأسري، وإلزام أرباب العمل بآليات حماية سرية ومهنية (مثل حظر استقبال المعتدي، تحويل الرواتب لحسابات آمنة، ومنح إجازات حماية مدفوعة الأجر لمتابعة الإجراءات القضائية).
تطوير تدابير الحماية في القانون 293 (Workplace Protection Orders):
إدراج نص صريح في المادة 14 يتيح للقضاء إصدار “أمر حماية مهني وتجاري” يشمل: منع المشكو منه من الاقتراب من نطاق عمل الضحية لمسافة يحددها القاضي، حظر تواصله مع إدارتها أو عملائها، وتجميد أي توكيلات أو تصرفات تجارية فُرضت عليها بالإكراه، تحت طائلة غرامات إكراهية فورية وعقوبات جنائية مشددة.
تجريم انتحال الصفة وفرض الوصاية المهنية: استحداث نص عقابي يجرّم محاولة أي فرد من الأسرة فرض وصاية أو تمثيل قسري على نشاط تجاري أو وظيفة تخص فرداً آخر دون سند توكيل رسمي حر وموثق.
ثالثاً: المنزلق الأخطر: من التجريد المالي إلى التسوّل، الدعارة القسرية، والاتجار بالبشر
حين ينجح المعتدي في طرد المرأة من منزلها، سلب مقتنياتها، وتدمير عملها أو فرض وصايته عليه حتى إفلاسه، تُلقى الضحية في فخ التجويع والتركيع الاقتصادي. وفي ظل غياب شبكات الأمان الاجتماعي الرسمية وانهيار الاقتصاد اللبناني، يتحول هذا التجريد إلى أرضية خصبة لأبشع الجرائم:
الدفع الممنهج نحو التسوّل والتشرد:
إن تقييد سلفات السكن والمأكل في القانون بعبارة “وفق قدرة المشكو منه” يتيح للجاني التهرب بالادعاء بالإعسار. ومع فقدان العمل وانسداد سوق التوظيف، تجد المرأة نفسها عاجزة عن دفع إيجار مسكن أو إطعام أطفالها، مما يدفعها قسراً نحو الفاقة المطلقة والتسوّل للبقاء على قيد الحياة.
السقوط في شِباك شبكات الدعارة والاتجار بالبشر (القانون 164/2011):
ترصّد الهشاشة المطلقة: تُصبح المرأة المطرودة، العاطلة من العمل، والمجرّدة من أي حماية مالية، صيداً سهلاً لشبكات الجريمة المنظمة وسماسرة الاستغلال الجنسي والدعارة القسرية الذين يترصدون النساء في أماكن النزوح المؤقتة وأطراف المدن.
الاستدراج بالاستغلال المالي: تستغل هذه العصابات حاجة المرأة الماسة للمأوى والمال لتقديم “مساعدات مشروطة” أو وعود تشغيل زائفة، وسرعان ما يتم سلب وثائقها الثبوتية وابتزازها والزج بها في دوائر الاستغلال الجنسي التجاري القسري.
التواطؤ والتحريض الإجرامي: في الحالات الأشد قتامة، يكون بعض المحرّضين أو المعتدين على صلة وثيقة بهذه الشبكات المشبوهة، فيستخدمون التجريد الاقتصادي لكسر إرادة الضحية وتوريطها، بهدف إسقاط أهليتها الأخلاقية وتجريدها من حق حضانة أطفالها نهائياً.
رابعاً: التشريح النقدي للعوار الإجرائي في القانون 293/2014
تتكامل هذه المأساة مع نصوص قانونية صاغها المشرّع بتردد وضعف:
شكلية “التعهد” والإبعاد القصير (المادة 11): حصر إبعاد المعتدي بـ 48 ساعة والاكتفاء بتعهد ورقي لا يمثل أي ردع، بل يمنحه مهلة لتصفية أمواله وتصعيد ضغوطه الوظيفية والاجتماعية.
معاقبة الضحية بالنزوح (المادتان 11 و14): تشريع إخراج المرأة إلى الملاجئ بدلاً من التثبيت الحاسم لطرد المعتدي يقتلع الضحية من بيئتها المستقرة ويضعها على طريق التشرد وفقدان العمل.
الارتهان للمنظومة الطائفية وسلاح الحضانة (المادة 14/4): حصر اصطحاب الأطفال بـ “سن الحضانة القانونية” الديني حوّل الأبناء الأكبر سناً إلى رهائن يُبتز بهم الضحية للتنازل عن حقوقها وأموالها وشركاتها.
بيروقراطية التنفيذ المالي: إحالة استيفاء النفقات إلى الأصول المدنية يحرم المرأة من الاستجابة المالية الفورية ويتركها لأشهر دون فلس واحد.
خامساً: المطلب الهيكلي الحاسم: الصندوق الوطني الفوري لدعم الضحايا
أمام هذا الخطر الوجودي، يبرز تأسيس “صندوق وطني فوري للتكافل والدعم المالي لضحايا العنف الأسري” كحجر زاوية لا غنى عنه في أي منظومة عدالة، وتتجلى أهميته في الآتي:
الكسر الفوري لسلاح التجويع:
صرف مبالغ مالية فورية ومباشرة للضحية فور صدور أمر الحماية لتأمين سكن لائق ومستقل، مأكل، رعاية طبية، وحماية أطفالها، دون انتظار مماطلة المعنّف في المحاكم.
حلول الدولة محل الضحية في التحصيل (Subrogation):
تتولى الدولة ملاحقة الجاني وتحصيل الأموال منه جبراً عبر أجهزتها التنفيذية، مما ينقل عبء المواجهة القضائية والمالية من كاهل المرأة الهشة إلى كاهل السلطة العامة.
حائط صد منيع ضد التسوّل والاتجار بالبشر:
توفير الاستقرار المالي العاجل يقطع الطريق على تجار البشر وشبكات الدعارة، ويمنح المرأة القدرة على الحفاظ على كرامتها والبحث عن فرصة عمل جديدة أو استعادة مشروعها بأمان.
خاتمة: نحو ثورة تشريعية تعيد كتابة مفهوم الحماية
إن حماية المرأة وسائر أفراد الأسرة من العنف لا يمكن أن تظل أسيرة نصوص قاصرة تكتفي بطرد شكلي للمعتدي ليومين، بينما تترك الضحية تواجه وحدها: تدمير وظيفتها، فرض الوصاية على عملها، مصادرة شركاتها، وصولاً إلى خطر التشرد، التسوّل، والوقوع في شِباك الاتجار بالبشر.
إن الحل يتطلب رؤية تشريعية تكاملية ثورية:
تعديل قانون العمل لحظر الصرف التعسفي للمعنفات وإلزام المؤسسات بتدابير الحماية المهنية.
توسيع أوامر الحماية القضائية (قانون 293) لتشمل حماية الشركات، الاستثمارات، ومنع التدخل في القرارات الوظيفية.
تأسيس الصندوق الوطني للدعم المالي الفوري كضمانة حيوية لقطع دابر الابتزاز والتجويع.
فصل تدابير الحماية والولاية على الأطفال كلياً عن قوانين الأحوال الشخصية الطائفية.
ما لم تتضافر هذه الإصلاحات، سيبقى قانون العنف الأسري درعاً وهمياً؛ يداوي الجروح السطحية، بينما يترك الجريمة تتمدد لتسلب المرأة كرامتها، عملها، ومستقبلها الإنساني.
