عروبة الإخباري –
الدستور – رنا حداد –
في الموروث الشعبي العربي، ارتبطت حركة النجوم ومواسم ظهورها بتفاصيل الحياة اليومية، خصوصًا لدى أهل البادية الذين اعتمدوا قديمًا على مراقبة السماء والطقس لمعرفة مواسم المطر والحر والبرد، ومواعيد الرعي والزراعة وجني الثمار.
ومن بين هذه المواسم يبرز نجم «الكليبين» أو «النثرة»، الذي يُعرف في الموروث الشعبي باسم «مرخيات القلايد»، في إشارة إلى شدة القيظ وما يرافقها من عطش شديد لدى الإبل. وتتداول البادية قولًا شعبيًا يلخص التحولات التي ترافق هذه الفترة من شهر آب: فـــ « أول عشرة من آب تحرك المسمار بالباب» ، و»ثاني عشرة من آب تقلل الأعناب وتكثر الأرطاب» ، و»ثالث عشرة من آب تفتح من الشتا باب». وهي عبارات شعبية تصف، بلغة مختصرة، التحولات التدريجية التي تبدأ مع انحسار أشد فترات الصيف، وتزايد مؤشرات الرطوبة وتغير حالة الثمار والطقس.
أما سبب تسمية «مرخيات القلايد» فــ «القلايد جمع «قلادة»، وهي ما كان يُعلّق على أعناق الإبل للزينة أو العلامة. أما تسمية «مرخيات القلايد» فارتبطت بصورة شعبية شديدة الدلالة على قسوة الحر. ففي أيام شديدة الحرارة، كانت الإبل، بحسب الوصف المتوارث، تشرب حتى الارتواء ثم تعود إلى مراعيها، لكنها سرعان ما تفقد جزءًا من سوائل جسمها بسبب ارتفاع درجات الحرارة، فيضمر بطنها ورقبتها وترتخي القلائد المعلقة عليها وتنزل إلى أسفل الرقبة، ومن هنا جاءت تسمية هذه الأيام بمرخيات القلايد.
كما عُرفت هذه الفترة بتسمية أخرى هي «محننات الجمل»، في وصف لحاجة الإبل المتكررة إلى الماء نتيجة شدة الحر. وهو ما يعكس طبيعة هذه المرحلة من الصيف في الذاكرة البدوية.
آخر نجوم القيظ
ويُعد «الكليبين» من نجوم أواخر القيظ، وتبلغ مدته، وفق الموروث الفلكي الشعبي، نحو 13 يومًا. وخلال هذه الفترة تبدأ بعض مظاهر التحول التدريجي في الطقس بالظهور، إذ تهب الرياح الشمالية الشرقية، وتتكون السحب من جهة الشرق باتجاه الغرب، فيما ترتفع مستويات الرطوبة، ولا سيما في المناطق الساحلية للخليج العربي.
ويصف أهل البادية هذه المرحلة باعتبارها من الفترات التي تقترب فيها نهاية القيظ، رغم بقاء الحرارة مرتفعة خلال النهار، فيما يبدأ الجو بالاعتدال تدريجيًا خلال ساعات الليل، خصوصًا في المناطق الصحراوية الشمالية.
وتتوارث العرب وصفًا شعبيًا يقول: «إذا طلعت النثرة احمرت البسرة، وجني النخل بكرة، وآوت المواشي حجرة، ولم تترك في ذات در قطرة، ويوشك أن تظهر الخضرة»، وهو وصف يجمع بين التغيرات المناخية ومواسم الثمار والزراعة والرعي.
ولا تقتصر دلالات هذه الفترة في الموروث الشعبي على الطقس، إذ ارتبطت أيضًا بمواعيد نضج بعض المحاصيل والثمار. ففيها يبدأ نضوج الرمان، وتتهيأ بعض الزراعات مثل البندورة والفلفل والباذنجان والبصل، كما تُرصد عودة بعض الطيور المهاجرة.
وفي المقابل، تظل المواشي في أماكن الظل هربًا من شدة الحرارة، بينما تتأثر معدلات إنتاج الحليب نتيجة الظروف المناخية القاسية.
ومن المعتقدات الشعبية التي ارتبطت بهذه الفترة كذلك اعتبار الزواج خلالها فألًا حسنًا، في انعكاس للمكانة التي كانت تحتلها النجوم والمواسم في تفاصيل الحياة الاجتماعية لدى العرب قديمًا.
وحظيت هذه المرحلة بحضور واضح في الشعر النبطي، والعربي عمومًا. ويكتسب «الكليبين» أهمية خاصة في التقويم الشعبي لأنه يأتي في نهاية موسم القيظ، قبل ظهور نجم سهيل الذي ارتبط في الذاكرة العربية بانكسار حدة الحر وبداية التحول التدريجي نحو أجواء أكثر اعتدالًا. ولهذا ظل ظهور النجوم بالنسبة لأهل البادية أكثر من مجرد ظاهرة فلكية، إذ كان وسيلة لمعرفة المواسم وتوقيت الرعي والزراعة والتنقل، وقراءة التحولات المناخية قبل ظهور أدوات الرصد الحديثة.
وهكذا فان مرخيات القلايد ونجم سهيل، مفردات تختصر ذاكرة البادية حكاية موسم كامل، يبدأ بحرارة القيظ وقسوة العطش، ثم يتدرج نحو الرطوبة والاعتدال، وصولًا إلى بشائر انقضاء الصيف واستقبال موسم جديد.
