عروبة الإخباري –
برس بارتو – زلفا عسّاف –
من إنتاج جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات، يأتي فيلم «البطريرك الياس – الله بيدبّر» ليقترب من البطريرك الياس الحويك لا بوصفه شخصية مكتملة في صفحات التاريخ، بل ليستعيد الإنسان الذي يقف خلف الصورة، ويقرأ مسيرته من الداخل؛ من إيمانه وحياته وخياراته، وصولاً إلى الدور الذي جعله واحداً من أبرز الوجوه في تاريخ الكنيسة ولبنان.
من هذه الزاوية، يختار المخرج روني مكرزل أن يبني الفيلم على مساحة تجمع الوثيقة والدراما، انطلاقاً من كتابة وسيناريو سوزي الخوري حنّا. فحياة الحويك لا تمر أمام المشاهد كسرد زمني متتابع، وإنما تتشكل عبر الأرشيف والمقابلات وإعادة بناء محطات أساسية من سيرته، في محاولة لإعادة الماضي إلى الحياة بالصورة والصوت.
- #image_title
- #image_title
- #image_title
- #image_title
فالبطريرك الذي حمل مسؤولية الكنيسة كان أيضاً أمام مجتمع أنهكته المجاعة والحرب العالمية الأولى، وسعى إلى حماية الناس ومساندتهم في واحدة من أقسى الفترات التي عرفها لبنان. ومع الوقت، اتسع حضوره ليصبح جزءاً من المشهد الوطني والسياسي، وصولاً إلى دفاعه عن لبنان وحدوده التاريخية ودوره في المرحلة التي شهدت ولادة لبنان الكبير.
وهنا تتجاوز السيرة حدود رجل الدين لتصبح حكاية رجل وجد نفسه عند تقاطع الإيمان والتاريخ والمصير اللبناني.
نقولا دانيال استحضار الشخصية لا تقليدها
في قلب الجانب الدرامي يقف نقولا دانيال في دور البطريرك الياس الحويك. والتحدي في تجسيد شخصية تاريخية بهذا الحجم لا يرتبط بالشبه الخارجي وحده، بل بالقدرة على التقاط ما وراء الصورة: سلطة رجل الكنيسة، هدوء رجل الصلاة، ثقل المسؤولية، وقرب الإنسان من الناس.
يختار دانيال أداءً هادئاً، بعيداً عن المبالغة. وهذا الهدوء يخدم الشخصية أكثر مما يخدم الاستعراض، لأن حضور الحويك كما يستعيده الفيلم لا يقوم على رفع الصوت، بل على الثبات والقدرة على حمل المسؤولية.
وتكتسب التجربة بعداً إضافياً من استخدام الأماكن الحقيقية المرتبطة بسيرة الحويك، إلى جانب ملابسه ومقتنياته الشخصية المحفوظة في متحف البطريرك الياس في دير العائلة – عبرين. هذه التفاصيل لا تمنح الفيلم دقة تاريخية فحسب، بل تضيف إحساساً بأن الشخصية التي نراها على الشاشة تتحرك داخل آثار حقيقية من حياتها.
حين يصبح الأرشيف جزءاً من الحكاية
أحد العناصر اللافتة في الفيلم هو العلاقة بين الأرشيف وإعادة التمثيل. فالصور والوثائق ليست مجرد مواد تشرح الماضي، والمشاهد الدرامية ليست مجرد وسيلة لملء الفراغات، بل يلتقي الطرفان في محاولة لبناء صورة أكثر اكتمالاً عن الحويك.
وهنا تظهر أهمية الإخراج في المحافظة على التوازن بين الحقيقة التاريخية والحضور الدرامي. فالمكان نفسه يتحول إلى عنصر من عناصر السرد؛ وعندما تعود الكاميرا إلى مواقع ارتبطت فعلياً بحياة البطريرك، يصبح المكان شاهداً على ما جرى، لا مجرد خلفية للأحداث.
أما عنوان الفيلم، «الله بيدبّر»، فيختصر إلى حد بعيد الروح التي يقترب بها العمل من شخصيته. إنها عبارة يمكن قراءتها كمفتاح لفهم رجل عاش تحولات كبرى، من الكهنوت إلى البطريركية، ومن الحرب والمجاعة إلى المرحلة التي شهدت ولادة لبنان الكبير، وظل ينظر إلى مسؤوليته من موقع الإيمان والعناية والرجاء.
بهذا المعنى، يحاول الفيلم أن يقرّب الحويك من المشاهد، لا أن يتركه أسير الصور الرسمية والكتب التاريخية. فالقداسة هنا لا تظهر منفصلة عن الحياة، وإنما تتشكل من خلالها: في المسؤولية، والخدمة، والتضحية، وفي القدرة على مواجهة زمن بالغ القسوة.
سيرة تستعيد الإنسان خلف الرمز
يبقى التحدي أمام أي عمل يتناول شخصية دينية ووطنية بهذه المكانة هو ألا تتحول السيرة إلى صورة احتفالية مغلقة. وما يمنح «البطريرك الياس – الله بيدبّر» قيمته هو محاولته الاقتراب من الشخصية عبر تفاصيلها الإنسانية والتاريخية، وربطها بالزمن الذي عاشت فيه، بدلاً من الاكتفاء بتقديمها كرمز منفصل عن سياقه.
من طفل ولد في حلتا عام 1843 إلى بطريرك ارتبط اسمه بمرحلة تأسيسية من تاريخ لبنان، تمتد الرحلة على أكثر من مستوى: شخصي وروحي ووطني. وبين الأرشيف والمشهد الدرامي، وبين الأماكن الحقيقية والمقتنيات الأصلية، وبين أداء نقولا دانيال ورؤية روني مكرزل، يستعيد الفيلم شخصية بقيت حاضرة في الذاكرة اللبنانية، ويحاول أن يمنحها حضوراً جديداً على الشاشة.
«البطريرك الياس – الله بيدبّر» يُعرض في صالات Grand Cinemas Lebanon ابتداءً من 20 آب 2026.




