أثار كتاب صادر عن نقابة المحامين النظاميين بتاريخ 30 تموز الماضي 30/7/2026 يؤكد السماح لأبناء الأردنيات بالانتساب إلى نقابة المحامين والالتحاق بمعهد تدريب المحامين بعد اجتياز امتحان القبول، نقاشاً واسعاً في الأوساط القانونية والمجتمعية.
بعيداً عن المواقف المؤيدة والمعارضة لحقوق أبناء الأردنيات، إن المسألة في هذه الحالة تستحق أن تُقرأ أولاً من زاوية قانونية ثم زاوية دستورية هادئة، لأننا أمام مهنة منظمة بقانون خاص، وأمام شروط للانتساب والتسجيل حددها المشرّع بصورة صريحة.
المشكلة ليست في السؤال: هل أبناء الأردنيات يستحقون فرصة ممارسة مهنة المحاماة؟ فهذا سؤال اجتماعي وحقوقي وسياسي يمكن أن تكون له إجابات واتجاهات مختلفة. أما السؤال القانوني الذي ينبغي أن يحسم هو ما هو السند القانوني الذي استندت إليه نقابة المحامين في السماح لأبناء الأردنيات بالانتساب إلى النقابة والالتحاق بمسار تدريب المحامين؟ هل النص القانوني يحتاج إلى تفسير واضح؟
قانون نقابة المحامين النظاميين يضع شروطاً لتسجيل المحامي، من بينها أن يكون متمتعاً بالجنسية الأردنية منذ 10 سنوات على الأقل، مع أحكام خاصة بالمحامين من حملة الجنسيات العربية وفي إطار مبدأ المعاملة بالمثل، الأمر لا يتوقف عند قانون النقابة وحده، إذ إن نظام معهد تدريب المحامين النافذ حالياً، ينص في المادة 17 باشتراط أن يكون طالب التسجيل في سجل المحامين المتدربين أردني الجنسية منذ 10 سنوات على الأقل، مع الحالات والاستثناءات التي حددها النظام، كما وتنص المادة 19 منه على أنه بعد اجتياز امتحان القبول يصدر المجلس قراره بتسجيل اسم الطالب في سجل المحامين المتدربين وإلحاقه بالمعهد، وهنا تحديداً تظهر الحاجة إلى تفسير قانوني معلن، فالكتاب الصادر عن النقابة لا يتحدث، بحسب نصه عن مجرد حضور دورة تدريبية أو الاستفادة من برنامج أكاديمي، وإنما يستخدم عبارة: الانتساب لنقابة المحامين النظاميين والالتحاق بمعهد تدريب المحامين وهذا يختلف قانونياً عن الانتساب الاختياري للمعهد الذي أجاز النظام في مادته السادسة للمحامين غير الأردنيين الذين يقرر المجلس قبول انتسابهم؛ لأن الانتساب إلى المعهد شيء، كذلك التسجيل في سجل المحامين المتدربين ثم الانتقال إلى ممارسة المهنة والانتساب إلى النقابة شيء آخر. لذلك نحتاج إلى معرفة «لماذا؟»
إذا كانت النقابة قد توصلت، بعد دراسة قانونية أن أبناء الأردنيات مشمولون باستثناء أو حق قانوني يسمح لهم بالانتساب، فمن حق المجتمع، والأهم الأسرة القانونية الأردنية، أن تعرف ما هو النص أو الاجتهاد أو التفسير الذي استند إليه القرار؟ هل هناك نص آخر لم يكن واضحاً في القراءة الأولية؟ وهل صدر حكم قضائي أو اجتهاد قضائي أصبح له أثر في هذه المسألة؟ هذه ليست أسئلة تشكيك في النقابة، وإنما أسئلة ضرورية حتى يكون القرار واضح الأساس، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمهنة من أهم المهن المرتبطة بإقامة العدل وحماية الحقوق والحريات.
المسألة هنا أكبر من قضية مجموعة من المتقدمين للانتساب فإذا كان القانون يشترط شيئاً ثم صدر قرار إداري أو نقابي يفسر النص بطريقة مختلفة، فإن المطلوب هو إزالة مساحة الالتباس قبل أن تتوسع آثاره، فلا يجوز أن يبقى المتقدم للمهنة أمام نص قانوني يفهم منه شرط معين، بينما يجد أمامه قراراً إدارياً يقرر نتيجة مختلفة، دون أن يعرف السند الذي أحدث هذا الاختلاف. وفي المقابل، إذا كانت القراءة القانونية الصحيحة للنصوص تؤدي فعلاً إلى السماح لأبناء الأردنيات بالانتساب، فإن من واجب النقابة أن تشرح ذلك بوضوح، لأن الشرح القانوني هنا يحمي القرار أكثر مما يضعفه.
الدستور الأردني ينص في المادة السادسة على أن الأردنيين أمام القانون سواء، كما ينص على تكافؤ الفرص لجميع الأردنيين. وفي الوقت نفسه، فإن الجنسية الأردنية تحدد بقانون وفق المادة الخامسة.
وهذا يعني أن معالجة وضع أبناء الأردنيات ينبغي أن تتم ضمن منظومة قانونية متماسكة، بحيث لا تتعارض النصوص أو تتناقض التطبيقات.
نقابة المحامين ليست مجرد جهة تمنح عضوية مهنية؛ إنها جسم قانوني كبير، ومهنة المحاماة لها شروط خاصة ترتبط بطبيعتها وبعلاقتها بالقضاء وبحقوق المتقاضين. ولذلك فإن أي تغيير في شروط الدخول إلى المهنة يمكن أن تكون له آثار مستقبلية على:
عدد المتقدمين والمقبولين، وعلى المنافسة في سوق المحاماة، الذي يعاني أصلاً من تحديات تتعلق بأعداد المشتغلين بالمهنة وفرص العمل، وعلى إمكانية ظهور طعون أو منازعات أمام القضاء الإداري إذا اعتبر أحد الأطراف أن القرار تجاوز الشروط التي حددها القانون. لذا فإن حسم المسألة الآن أفضل بكثير من تركها تتراكم، فقد يكون الإنسان مؤيداً لتوسيع حقوق أبناء الأردنيات، وفي الوقت نفسه يطالب بأن يتم ذلك وفق القانون وبالسند التشريعي الواضح، وقد يكون الإنسان مختلفاً مع القرار، لكنه لا يملك أن يحسم بطلانه من تلقاء نفسه قبل معرفة الأساس القانوني الذي استندت إليه النقابة، ومن وجهة نظري، فإن أفضل ما يمكن أن تقوم به نقابة المحامين هو نشر أو توضيح المسوغات القانونية الكاملة التي استند إليها مجلس النقابة في قراره، وإذا كان هناك رأي قانوني أو تفسير صادر عن جهة رسمية مختصة، فمن المناسب إطلاع الجسم القانوني عليه. وإذا كانت النقابة ترى أن النصوص النافذة تمنحها هذه الصلاحية، فلتوضح النصوص التي استندت إليها، وإذا كان الأمر يحتاج إلى تعديل تشريعي، فليُطرح الأمر أمام السلطة التشريعية بصورة واضحة. وإذا كان هناك خلاف قانوني حقيقي، فليُترك للقضاء المختص أن يقول كلمته، المهم لا تبقى القضية معلقة بين نص يقول شيئاً وقرار يُفهم منه شيء آخر، اللهم أني قد بلغت.
