يا مهجة روحي وسند أيامي القادم، أكتب لك هذه الكلمات من عمق تجربة قاسية، ومن قلب أثقله الصبر واليقين، لأتركها لك وصية تعيش بها، وتكون لك درعاً في وجه رياح هذه الدنيا.
اعلم يا بنيّ أن أعظم ما تملكه في هذه الحياة بعد دينك هو كرامتك. إياك، ثم إياك أن ترضى بأن تكون على هامش حياة أحد، أو أن تقبل بأن يُهان حقك أو يُنتقص قدرك تحت أي مسمى من أعذار المجاملات أو إرضاء المحيطين. من لا يحترمك في حضورك، لا وزن لوجوده في غيابك، ومن يرضى بالقليل لنفسه، سيألف الناس استصغاره.
كن عزيز النفس، شامخ الهامة، حادّ البصر والبصيرة. لا تكن ممن تكسرهم العواصف ولا ممن ينحنون للريح؛ بل كن صلباً كالجبال، طيب الأصل لكن بلا سذاجة، وكريماً بلا مذلة.
إذا اشتدت عليك الدنيا، وأغلقت الأبواب في وجهك، وظننت أنك أصبحت وحيداً بلا ظهير، فلا تمد يدك لتستجدي سنداً من جدار مائل أو إنسان متخاذل. ارفع رأسك لمن لا يغفل ولا ينام، واجعل اعتمادك وثقتك المطلقة بالله وحده، فهو نعم الوكيل ونعم السند. البشر يخذلون، والظروف تتغير، وحدَه الله يبقى ثابتاً لا يخيب من استند إليه.
ولا تهرب يوماً من مواجهة الحق، ولا تخشَ قول كلمة الصدق مهما كانت تكلفتها، فالجبن يورث المذلة، والمواقف الشجاعة هي وحدها ما يصنع الرجال الأحرار. كن رجلاً إن حضر طمأن من حوله، وإن غاب ترك أثراً طيباً وذكراً عاطراً، لا يرضى بالظلم ولا يسكت عن باطل، ويدافع عن حقه وحق من يلوذ به ببسالة.
هكذا أريدك يا بنيّ، وهكذا أعرف أن معدنك سيصنع الأيام لا أن تصنعه. امضِ في حياتك برأس مرفوع، وقلب طاهر، وظهر لا ينحني إلا لبارئه… كلمات لابني
8
