لماذا أكتب من أجل، د. عُلا القنطار… حين تصبح المرأة قضيةً لا مجرّد إطلالة
سؤالٌ قد يبدو في ظاهره بسيطًا، لكنه حين يتعلق بالدكتورة والإعلامية عُلا القنطار، يصبح السؤال نفسه مدخلًا إلى مساحة أوسع بكثير من الكتابة عن امرأة جميلة، أو إعلامية ذات حضور، أو أكاديمية تحمل في جعبتها من الثقافة ما يجعل حديثها مختلفًا عن الكلام العابر.
أكتب من أجلها لأن بعض النساء لا يعبرن أمام العين فقط، بل يعبرن إلى الذاكرة.
ولأن في إطلالتها شيئًا لا يُختصر بملامح جميلة، ولا يُقاس بمقاييس الأناقة وحدها. هناك سحر خاص في حضورها؛ ذلك النوع من الحضور الذي لا يحتاج إلى ضجيج كي يُرى، ولا إلى مبالغة كي يترك أثره. جمالها ليس تفصيلًا منفصلًا عن شخصيتها، بل جزء من لوحة أوسع، تتداخل فيها الأنوثة مع الثقة، والرقي مع الثقافة، والنعومة مع قوة امرأة تعرف ماذا تريد، وتعرف كيف تقول ما تريد.
لكن، لو كانت د. عُلا مجرد جمال، لما كتبت. فالجميلات كثيرات، والجميلة التي تترك أثرًا أكثر ندرة، أما المرأة التي تجعل من جمالها بابًا إلى عقلها وروحها وقضيتها، فتلك حكاية أخرى.
أكتب من أجل عُلا لأنني أرى في تجربتها امرأة لا تريد أن تكون مجرد صورة على شاشة، بل صوتًا له معنى، وحضورًا له وظيفة، وكلمةً تستطيع أن تقاوم زمنًا امتلأ بالضجيج وافتقر إلى العمق.
أكتب عنها لأن الثقافة حين تجتمع بالأنوثة لا تنتقص منها، بل تمنحها هيبة أخرى.
ولأن الأدب حين يسكن امرأة لا يجعلها أكثر نعومة فحسب، بل أكثر قدرة على لمس الوجدان، وعلى تحويل الكلمة إلى موقف، والموقف إلى رسالة.
عُلا القنطار ليست بالنسبة إلى من يتابعها مجرد إطلالة تلفزيونية أو اسمًا في فضاء الإعلام. إنها نموذج لامرأة لبنانية تحمل وطنها معها أينما ذهبت؛ وطنًا ليس مجرد جغرافيا معلقة على الخريطة، بل وجعًا وذاكرةً وقلقًا وحلمًا.
وهنا تحديدًا تكمن المسألة.
فثمة نساء يعشن في أوطانهن، وثمة نساء يحملن أوطانهن في قلوبهن.
وعُلا، كما تبدو في خطابها وحضورها، من الصنف الثاني.
لبنان بالنسبة إليها ليس خبرًا يُقرأ، ولا عنوانًا يُستثمر، ولا مناسبةً موسميةً للكلام. لبنان قضية تسكن القلب، ولذلك فإن الحديث عنه يأتي محمّلًا بذلك المزيج النادر من الحب والقلق والرجاء والغضب.
وهذا ما يجعل الكتابة عنها مختلفة.
لأنك لا تستطيع أن تكتب عن امرأة تحمل في قلبها كل هذا الهم اللبناني، ثم تتوقف عند عينيها.
ولا تستطيع أن ترى جمالها، ثم تتجاهل جمال الفكرة.
ولا تستطيع أن تسمع لغتها، ثم لا تلتفت إلى ثقافتها.
ولا تستطيع أن تراقب حضورها، ثم لا تسأل عن المرأة التي تقف خلف هذا الحضور.
إنها تلك المفارقة الجميلة: امرأة تستطيع أن تخطف العين، لكنها تصرّ على مخاطبة العقل.
وهذا، في زمنٍ صار فيه الشكل أحيانًا بديلًا عن الجوهر، يستحق أن يُقال بصوت عالٍ.
أكتب من أجلها لأن الجمال حين يكون مسنودًا بالعلم والثقافة يصبح مسؤولية.
ولأن الأنوثة الحقيقية ليست في المظهر وحده، بل في القدرة على أن تكون المرأة رقيقة دون ضعف، قوية دون قسوة، أنيقة دون تصنع، مثقفة دون استعلاء، وحاضرة دون أن تبحث عن التصفيق.
ومن هنا، فإن عُلا تستحق أن تُكتب لا بوصفها امرأة جميلة فحسب، بل بوصفها امرأة تمتلك أكثر من نافذة للحضور: نافذة الإعلام، ونافذة الأكاديمية، ونافذة الثقافة، ونافذة الإنسان الذي لا يزال يحمل في داخله إيمانًا بأن لبنان يستحق أن يُدافع عنه بالكلمة كما يُدافع عنه بالفعل.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في امرأة كهذه أن جمالها لا ينتهي عندما ينتهي التصوير.
هناك جمال يبقى في الشاشة.
وهناك جمال يبقى في الذاكرة.
وهناك جمال ثالث، أعمق وأخطر: جمال الشخصية حين تتحول إلى موقف.
وهذا هو الجمال الذي يجعلني أكتب.
أكتب لأن بعض الأشخاص لا يكفي أن نقول عنهم: جميلون.
نحتاج أن نقول: إنهم يشبهون الأشياء التي نفتقدها.
نفتقد امرأة تعرف قيمة العلم في زمن تسطيح المعرفة.
نفتقد صوتًا يملك الشجاعة في زمن الخوف.
نفتقد أناقة لا تنفصل عن الأخلاق.
نفتقد ثقافة لا تتباهى بنفسها.
ونفتقد قلبًا لبنانيًا لا يزال، رغم كل شيء، قادرًا على الحلم.
لهذا أكتب عن عُلا.
ليس لأنني أريد أن أضيف سطرًا إلى سيرة امرأة، بل لأنني أريد أن أقول إن بعض النساء يستحقن أن تتحول الكتابة عنهن إلى احتفاء بقيمة المرأة اللبنانية نفسها.
المرأة التي تستطيع أن تكون جميلة دون أن تكون أسيرة جمالها.
مثقفة دون أن تفقد أنوثتها.
قوية دون أن تفقد رقتها.
وطنية دون أن تقع في فخ الشعارات.
وإعلامية دون أن تصبح الكاميرا أكبر من رسالتها.
هذه هي عُلا التي أريد أن أكتب عنها.
امرأةٌ إذا أطلت، انتبهت العيون.
وإذا تحدثت، أنصتت العقول.
وإذا تكلمت عن لبنان، أصغى القلب.
أما لماذا أكتب من أجلها؟
فلأن بعض النساء لا تأتي الكتابة إليهن بحثًا عن موضوع…
بل تأتي لأنهن هنّ الموضوع.
ولأن في حضورهن ما يجعل القلم، ولو للحظة، يتخلى عن حياده، ويعلن انحيازه للجمال حين يقترن بالعقل، وللأنوثة حين تتكئ على الثقافة، وللوطن حين يسكن امرأةً لا تزال تؤمن أن للكلمة قوة، وأن للبنان، رغم كل جراحه، حقًا في امرأة تقول عنه: هذا وطني… ولن أتخلى عنه.
وعندما تجتمع في امرأة واحدة كل هذه المساحات، يصبح الصمت ظلمًا للقلم.
لذلك…
أكتب من أجل عُلا القنطار.
أكتب لأن حضورها يستحق الحروف، وجمالها يستحق أن يُقرأ أبعد من العين، وثقافتها تستحق أن تُسمع، ولبنان الذي تحمله في قلبها يستحق أن يجد له صوتًا.
وربما، في النهاية، لا أكتب عنها بقدر ما أكتب عن ذلك النوع النادر من النساء…
اللواتي يدخلن المشهد كإطلالة،
ثم يغادرنه…
كأثر.
