ليس كل من يعمل في الإعلام يحتاج إلى مقال، وليس كل اسم يمرّ في صفحات الصحف يستحق أن نتوقف عنده طويلاً. لكن ثمة أشخاصاً يفرض حضورهم سؤالاً مختلفاً: ماذا يبقى من الإعلامي حين ينتهي الخبر؟ وماذا يبقى من الصحافي حين يهدأ ضجيج العناوين؟
من هنا أكتب عن ميراي برق.
أكتب عنها لأنها ليست مجرد اسم يظهر تحت مقال أو تقرير، بل صحافية وكاتبة لبنانية واصلت حضورها في المشهد الإعلامي من خلال الكتابة والبحث في قضايا تمسّ الإنسان والمجتمع والسياسة. ويعرّفها موقع «المدن» بصفتها صحافية لبنانية، فيما تظهر لها أعمال منشورة في أكثر من منصة إعلامية.
أكتب عنها لأن الصحافة، في جوهرها، ليست مهنة البحث عن الضوء، بل مهنة البحث عن المعنى. والصحافي الحقيقي لا يكتفي بأن يسأل: ماذا حدث؟ بل يحاول أن يسأل أيضاً: لماذا حدث؟ وكيف يؤثر ذلك في الناس؟ وماذا يمكن أن نفهم من وراء الحدث؟
في كتابات ميراي برق، يلفتني هذا الانتقال من الخبر إلى السؤال. فهي تطرقت إلى موضوعات سياسية وفكرية واجتماعية مختلفة؛ ومن أعمالها المنشورة حديثاً مقال يناقش ما يسمى «لعنة الثمانين» من زاوية سياسية ودينية وتاريخية، مستنداً إلى آراء باحثين ومتخصصين.
لكن ما يجعل الكتابة عنها أكثر أهمية هو أن الإعلام اليوم يعيش امتحاناً صعباً. السرعة أصبحت أهم من التحقق، والعنوان أحياناً أهم من المضمون، والصورة قد تسبق الحقيقة. وفي وسط هذا المشهد، تصبح قيمة الصحافي مرتبطة بقدرته على أن يحافظ على المسافة الضرورية بينه وبين الضجيج.
أكتب عن ميراي برق لأنني أرى في تجربتها نموذجاً للصحافية التي لا تحصر نفسها في مساحة واحدة. ففي أعمال منشورة لها نجد اهتماماً بقضايا الإنسان والأسرة والطفل، إلى جانب السياسة والشأن العام. ومن الأمثلة على ذلك تناولها موضوع فهم الأطفال للموت وكيفية مساعدة الطفل على مواجهة فقدان شخص قريب.
وهذا التنوع ليس تفصيلاً عابراً. فالصحافي الذي يقترب من قضايا الناس اليومية، ثم ينتقل إلى الملفات العامة والسياسية، يعرف أن الإعلام في النهاية يدور حول الإنسان؛ حول خوفه وأمله وأسئلته وحقه في أن يعرف.
ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال عن أي إعلامي هو ألا يكون حضوره مرتبطاً بمناسبة واحدة. وفي يوليو/تموز 2026، ورد اسم ميراي برق في خبر عن تكريم خاص لها ضمن فعالية نظمتها LBN Events، في إشارة إلى تقدير لدورها الإعلامي.
لكن التكريم، مهما كان جميلاً، لا يصنع وحده قيمة الصحافي. القيمة الحقيقية تصنعها السنوات، والكلمات، والأسئلة التي يتركها الصحافي خلفه.
لذلك أكتب عن ميراي برق لا لأضيف اسماً جديداً إلى قائمة الإعلاميين، ولا لأقدم سيرة مهنية جافة، بل لأقول إن وراء كل اسم صحافي قصة من العمل والجهد والاختيارات.
أكتب عنها لأن الصحافة تحتاج إلى من يؤمن بأن الكلمة مسؤولية، وأن القلم ليس مجرد وسيلة للتعبير، بل أمانة.
وأكتب عنها لأننا، في زمن تتكاثر فيه الأصوات، أصبحنا بحاجة أكثر إلى أن نميز بين من يملأ المساحة ومن يصنع أثراً.
قد تختلف الآراء حول ما تكتبه ميراي برق، وقد يتفق معها القارئ أو يختلف. وهذا طبيعي في الصحافة. لكن الاختلاف نفسه دليل على أن الكتابة استطاعت أن تفتح باباً للنقاش، وأن تجعل القارئ يتوقف لحظة ويسأل ويفكر.
وفي النهاية، ربما يكون هذا هو الجواب الأبسط عن السؤال: لماذا أكتب عن ميراي برق؟
أكتب عنها لأنني أؤمن أن الصحافة لا تُقاس بعدد الكلمات التي تُكتب، بل بعدد الأسئلة التي توقظها فينا.
وأكتب عنها لأن بعض الأقلام تستحق أن نتوقف عندها، لا لأنها تدّعي امتلاك الحقيقة، بل لأنها تواصل البحث عنها.
ميراي برق واحدة من هذه الأقلام.
