عقد منتدى الفكر العربي في مقرّه ندوة بعنوان :القدس: بين استهداف الوجود واستدامة الشاهد الحضاري”، بمشاركة نخبة من المفكرين والأكاديميين والباحثين في مجالات التاريخ والحضارة والسياسة والاجتماع، وحضور عدد من الشخصيات الثقافية والدبلوماسية والمهتمين بالشأن المقدسي والفكري.
وجاءت الندوة في إطار جهود المنتدى الرامية إلى تسليط الضوء على المكانة الحضارية والإنسانية للقدس، ومناقشة التحديات التي تواجه المدينة وسكانها في ظل التحولات الراهنة.
وفي مستهل كلمتها أكدت أ.د. أماني غازي جرار، القائم بأعمال الأمين العام لمنتدى الفكر العربي أن القدس تواجه سياسات ممنهجة تستهدف هويتها التاريخية والحضارية، وأشارت إلى أن هذه السياسات لا تمس الحجر فقط بل تطال الإنسان المقدسي ووجوده في مدينته، مشددةً على أهمية تعزيز الصمود الفلسطيني في مواجهة محاولات التهويد وطمس الهوية العربية والإسلامية للمدينة.
وشددت أ.د. هند أبو الشعر، عضو مجلس الأعيان والمؤرخة، أن دراسة تاريخ القدس لا يمكن أن تكون وافية ومتوازنة إلا بالاعتماد على مصادر متعددة ومتنوعة عبر العصور، بما يعكس خصوصية هويتها الحضارية والتاريخية. واستعرضت عددًا من الشواهد من أواخر العهد العثماني، مستندةً إلى المصادر المحلية، ولا سيما سجلات البلدية والمحاكم الشرعية والصحافة المحلية، التي أسهمت في توثيق الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية للمدينة.
وخلال إدارته للجلسة الأولى، تحدث د.بيان العمري، مدير تحرير مجلة دراسات شرق أوسطية في مركز دراسات الشرق الأوسط،حول القدس بوصفها مدينة الحضارات الممتدة، مشيرًا إلى ما تتميز به من هوية إنسانية وثقافية تشكلت عبر العصور، وأكد أن الحضارة العربية الإسلامية أسهمت في ترسيخ قيم عمارة الأرض والتعايش، مبينًا أن هذه القيم تواجه اليوم محاولات تستهدف هوية المدينة وملامحها التاريخية والثقافية.

#image_title
وأشار أ.د. عبد الرحمن الكيلاني، عميد كلية الشريعة في الجامعة الأردنية، إلى المحاولات المستمرة التي تستهدف تغيير معالم القدس وطمس هويتها العربية والإسلامية، من خلال سياسات التهويد والاعتداء على مقدساتها وسكانها. وشدد على أن الوصاية الهاشمية تمثل الركيزة الأساسية في حماية القدس وصون مقدساتها والحفاظ على كرامتها وهويتها التاريخية. موضحًا أن هذه الوصاية تستند إلى ثلاثة أبعاد رئيسة، هي البعد الديني والشرعي والعقائدي، والبعد التاريخي، والبعد القانوني والدولي.
وأكد الأب د. بسام شحاتيت، باحث في قضايا المواطنة والقوانين الكنسية والأحوال الشخصية، أن القدس ستبقى مدينة الرسالات والشهادة الإنسانية، وأنها حاضنة للقيم الروحية التي جمعت أتباع الديانات السماوية عبر التاريخ، وأضاف أن الحضور العربي المسيحي والإسلامي في القدس شكّل على الدوام نموذجًا للوئام والتكامل الثقافي، وأسهم في بناء مؤسسات تربوية وثقافية حافظت على هوية المدينة ورسالتها.
وخلال إدارته للجلسة الثانية تناول أ.د. أحمد بطاح، أمين عام وزارة التربية والتعليم الأسبق، واقع الإنسان المقدسي في ظل الظروف السياسية المعقدة، مشيرًا إلى ما يواجهه أهل القدس من تحديات اجتماعية وإنسانية متراكمة، وما يترتب على ذلك من ضغوط تمس مختلف جوانب حياتهم اليومية، كما تطرق إلى الهجمات الصهيونية المتكررة التي تستهدف المدينة وأهلها، وما تتركه من آثار على النسيج الاجتماعي والحياة العامة في القدس.
وأوضح د. زياد أبو لبن، مدير عام مركز دراسات القدس البعد الاجتماعي والإنساني لمدينة القدس، مؤكدًا أن المدينة تواجه سياسات ممنهجة تستهدف إعادة تشكيل واقعها الديموغرافي والاجتماعي والثقافي، بما يتجاوز الأبعاد العمرانية والقانونية. وأضاف أن هذه السياسات تركت آثارًا مباشرة على الأسرة المقدسية، وقطاعات التعليم والصحة والإسكان وسوق العمل، وأسهمت في تعميق الفقر واتساع الفجوة التنموية والضغوط النفسية والاجتماعية على السكان الفلسطينيين. وأشار إلى أن المجتمع المقدسي، رغم هذه التحديات، أظهر قدرة استثنائية على الصمود والمحافظة على تماسكه الاجتماعي من خلال الأسرة والمؤسسات الدينية والأهلية والتعليمية والثقافية.
وأكد أ. عبدالله كنعان، أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس، أن القدس ما تزال، وفق قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، أرضًا فلسطينية محتلة، مشيرًا إلى أن القرارات الدولية أكدت بطلان الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير وضع المدينة القانوني والتاريخي. وتناول المخططات الإسرائيلية الهادفة إلى فرض واقع جديد عبر الاستيطان والضم والتهويد، محذرًا من آثارها على هوية القدس ومستقبلها.
وفي ختام الندوة، دار نقاش موسّع بين الحضور والمشاركين حول مختلف المحاور التي تناولتها الجلسات، حيث تم تبادل الآراء والرؤى بشأن التحديات التي تواجه القدس وسبل الحفاظ على مكانتها التاريخية والحضارية والإنسانية.
