ليست كل اللحظات سواء، فهناك لحظاتٌ يصبح فيها الوطن هو القضية الوحيدة، وتسقط أمامه كل القضايا الأخرى. وحين تتعرض سيادة الدولة أو أرضها لأي اعتداء خارجي، لا يعود الانقسام السياسي فضيلة، ولا تصبح المزايدات بطولة، ولا يغدو الصمت حيادًا. في تلك اللحظة، تُختبر الضمائر قبل المواقف، ويُعرف الرجال من الشعارات، وتنكشف الوطنية الحقيقية من الوطنية المؤقتة.
الأردن ليس تفصيلًا في مشروع إقليمي، ولا بندًا في أجندة قوة كبرى، ولا ساحةً مفتوحة لتصفية حسابات الآخرين. إنه دولة ذات سيادة، ووطن له كرامته وحدوده التي لا تقبل العبث، وأمنه ليس محل مساومة، وسيادته ليست وجهة نظر. ومن يظن أن انحيازه لمحور، أو ولاءه لأيديولوجيا، أو خصومته مع حكومة، تمنحه حق التردد في إدانة أي اعتداء على الأردن، فقد أخطأ فهم معنى الدولة قبل أن يخطئ فهم معنى الوطنية.
فالأوطان لا تُحمى بالشعارات، بل بالمواقف. وعندما تُستهدف البلاد، يصبح الاصطفاف خلف الوطن واجبًا أخلاقيًا ووطنيًا، لا منحةً سياسية، ولا خيارًا انتقائيًا. عندها تتراجع الخلافات، وتصغر الحسابات، وتسقط الأقنعة، لأن التاريخ لا يتذكر من كان في صف الحكومة أو المعارضة، بل يتذكر من وقف في صف وطنه عندما كان الوطن في مواجهة الخطر.
في زمنٍ تتشابك فيه المحاور، وتختلط فيه الشعارات بالمصالح، يبقى هناك ثابتٌ لا يقبل الجدل ولا المساومة: الأردن أكبر من الجميع، وأغلى من الجميع، وأبقى من الجميع. فلا محور شرقي، ولا مشروع غربي، ولا اصطفاف إقليمي، ولا حسابات سياسية، يمكن أن تكون يومًا أهم من تراب هذا الوطن أو أمنه أو سيادته.
الأردن ليس ورقة على طاولة المفاوضات، وليس ساحةً لتصفية الحسابات، وليس ممرًا لمعارك الآخرين. إنه دولة ذات سيادة، وشعبٌ له كرامته، وجيشٌ وأجهزة أمنية تحملت على امتداد عقود عبء حماية الحدود والاستقرار في منطقة تعصف بها الأزمات.
وعندما تتعرض أرض الأردن لأي اعتداء خارجي، فإن القضية تصبح أكبر من الحكومات، وأكبر من الأحزاب، وأكبر من المعارضة والموالاة، وأكبر من كل الخلافات السياسية. في تلك اللحظة، لا يبقى سوى سؤال واحد: هل أنت مع وطنك أم مع من يعتدي عليه؟
لا توجد في العالم معارضة وطنية تحترم نفسها تقف على الحياد عندما تتعرض بلادها للخطر. ففي الديمقراطيات العريقة قبل غيرها، تتوقف المعارك السياسية مؤقتًا عندما تصبح سيادة الدولة مستهدفة. تتراجع الحسابات الحزبية، وتعلو راية الوطن، لأن الجميع يدرك أن الدولة إذا ضعفت فلن يبقى مجال لخلاف سياسي أو منافسة ديمقراطية.
المعارضة الوطنية الحقيقية لا تتخلى عن حقها في النقد، ولا عن دورها في الرقابة والمحاسبة، لكنها تعرف أن خلافها مع السلطة لا يمكن أن يتحول إلى خصومة مع الوطن. فهي تفرّق بين معارضة حكومة، وبين إضعاف دولة. وبين نقد السياسات، وبين التشكيك بحق الوطن في الدفاع عن نفسه. وبين الاختلاف السياسي، وبين الاصطفاف – ولو بالصمت أو بالتبرير – مع أي اعتداء خارجي.
أما الذين يجعلون مواقفهم السياسية أهم من وطنهم، ويقيسون كل حدث بميزان الولاءات الخارجية، ويبحثون عن الأعذار لكل من يعتدي على الأردن إذا وافق هواهم السياسي، فهم لا يمارسون معارضة وطنية، بل يسقطون في فخ العدمية السياسية؛ تلك التي لا ترى الدولة إلا خصمًا، ولا ترى في الوطن إلا ساحةً لتسجيل النقاط، حتى لو كان الثمن أمن الناس واستقرار البلاد.
الوطنية ليست شعارًا يُرفع في الاحتفالات، بل موقفٌ يُختبر في الأزمات. والوطنية لا تُقاس بارتفاع الصوت، بل بوضوح الموقف عندما تكون الحدود مهددة والسيادة مستهدفة. فمن يقف مع الأردن في ساعة الخطر هو الوطني، ومن يبرر الاعتداء أو يهون منه أو يحاول حرف الأنظار عنه، فقد اختار أن يجعل أجنداته فوق وطنه.
إن من أخطر ما يمكن أن يصيب أي دولة هو أن تتحول بعض الأصوات إلى أبواق لمحاور الخارج، فتغضب إذا غضبت تلك المحاور، وتصمت إذا صمتت، وتهاجم إذا طلب منها الهجوم، وكأن قرارها لم يعد ينبع من مصلحة الوطن، بل من حسابات الآخرين. وهنا يصبح الانتماء للمحور أقوى من الانتماء للأرض، وتصبح الولاءات العابرة للحدود أعلى من الولاء للعلم والتراب.
الأردن لم يكن يومًا تابعًا لأحد، ولن يكون. وسيبقى قراره الوطني ملكًا للأردنيين وحدهم، لا يكتبه أصحاب المشاريع الإقليمية، ولا يرسمه أصحاب الأجندات العابرة للحدود. فمن أراد الخير للأردن فأهلًا به، ومن أراد استخدامه لخدمة مصالحه فسيجد شعبًا يعرف قيمة وطنه، ودولة تعرف كيف تحمي سيادتها.
وليعلم الجميع أن الأردنيين قد يختلفون في السياسة والاقتصاد والإدارة، وقد يحتدم بينهم الجدل في كل الملفات، لكنهم عندما يتعلق الأمر بالأردن، فإن الخلافات يجب أن تتراجع أمام مصلحة الوطن. لأن الدول التي تنتصر هي تلك التي تمتلك جبهة داخلية واعية، تدرك أن المعركة مع المعتدي لا مع بعضها البعض.
الأردن ليس مجرد حدود على الخريطة، بل تاريخ من الصمود، وهوية من الاعتدال، ورسالة من الاستقرار، وشعب أثبت مرارًا أنه يقف صفًا واحدًا كلما تعرض وطنه للخطر. وهذه هي الحقيقة التي ينبغي أن تبقى فوق كل اعتبار.
سيبقى الأردن أكبر من المحاور، وأغلى من المشاريع، وأسمى من الحسابات الضيقة. وسيبقى كل من يعتدي على أرضه أو يهدد أمنه عدوًا للأردنيين جميعًا، مهما كان اسمه أو شعاره أو الجهة التي ينتمي إليها.
حمى الله الأردن، قيادةً وجيشًا وأجهزةً أمنيةً وشعبًا، وأدامه عزيزًا قويًا، سيدًا على أرضه، عصيًا على كل من يحاول النيل من سيادته أو العبث بأمنه واستقراره
0
