صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فقيد الوطن والإنسانية… أيها الأب الرؤوم والحنون على شعبك، وعلى كل من عاش على أرض قطر الطيبة.
برحيلك يا قائد مسيرة النهضة الحديثة، ذرفت، كما ذرف الملايين من أبناء قطر ومحبيها، دمعة وفاء على روح قائد استثنائي صنع تاريخ وطنه، وترك بصمة ستبقى خالدة في ذاكرة الأجيال. تاريخ
هي دمعة وفاء منّا نحن الذين عشنا على أرض قطر، ونعمنا فيها بالأمن والكرامة والعدالة، دون تمييز بين مواطن ومقيم. ودمعة امتنان لقائد آمن بأن الإنسان هو أساس التنمية، فبنى دولة حديثة، ومدّ جسور الخير إلى الشعوب العربية، وجعل من قطر واحةً للحوار والسلام. وستبقى مبادراته الدبلوماسية، وفي مقدمتها اتفاق الدوحة عام 2008 الذي أسهم في إنهاء الانقسام اللبناني وإعادة انتظام عمل المؤسسات الدستورية، شاهدة على إيمانه بأن الحوار هو السبيل إلى الاستقرار.
لكن دمعة الفقد هذه ممزوجة بالفخر. فبرحيل سمو الأمير الوالد لا أستذكر قائداً فحسب، بل أستحضر مرحلة تاريخية غيّرت وجه دولة قطر، ونقلتها إلى مصاف الدول الكبرى، ورسخت مكانتها عاصمةً عالميةً للغاز الطبيعي المسال.
وأنا أكتب هذه الكلمات، تستعيد ذاكرتي سنوات عملي في تغطية الشأن الاقتصادي ومشروعات النفط والغاز والمؤتمرات الدولية. تمر أمامي مشاهد لا تزال نابضة بالحياة؛ زياراتي الميدانية إلى مدينة رأس لفان الصناعية، ولقاءاتي مع الوزراء والمهندسين والخبراء، وتغطياتي المتواصلة للمشروعات التي كانت تتوسع عاماً بعد عام، حتى غدت قطر نموذجاً عالمياً في صناعة الطاقة.
كنت شاهدة على واحدة من أعظم قصص التنمية الاقتصادية في المنطقة، ورأيت عن قرب كيف تحولت الرؤية الطموحة إلى إنجازات ملموسة، بخطوات ثابتة وإرادة واضحة هدفها بناء دولة قوية، وتحقيق الرفاه لشعبها.
من حقل الشمال، أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم، انطلقت رحلة التحول الكبرى، ثم توالت المشروعات العملاقة التي صنعت الفارق، من مشروع «أوريكس» لتحويل الغاز إلى سوائل، إلى مشروع «برزان» للغاز، وصولاً إلى مشروع «بيرل» لتحويل الغاز إلى سوائل، أكبر مشروع من نوعه في العالم، والذي مثّل نقلة نوعية في تعظيم القيمة الاقتصادية للغاز الطبيعي.
وشهدت مدينة رأس لفان الصناعية توسعاً غير مسبوق، لتصبح القلب النابض لصناعة الغاز والطاقة في قطر، وأحد أكبر المجمعات الصناعية المتخصصة في العالم. ولم يكن ذلك مجرد توسع صناعي، بل تجسيداً لرؤية استراتيجية آمنت بأن الاستثمار في الطاقة هو استثمار في مستقبل الأجيال.
وفي عام 2011، حققت قطر إنجازاً تاريخياً عندما أصبحت أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم بطاقة إنتاجية بلغت 77 مليون طن سنوياً، لترسخ مكانتها لاعباً رئيسياً في أسواق الطاقة العالمية، ومرجعاً في صناعة الغاز الطبيعي المسال. تاريخ
وامتدت النهضة إلى تطوير ميناء رأس لفان ليصبح أكبر ميناء في العالم لتصدير الغاز الطبيعي المسال، وإنشاء وتوسعة مرافق تخزين وتحميل الغاز والمنتجات البترولية، وتطوير شبكات الأنابيب ومنشآت معالجة الغاز، إضافة إلى إنشاء مرافق إنتاج الهيليوم التي وضعت قطر بين أكبر المنتجين عالمياً.
ولم تتوقف الرؤية عند قطاع الطاقة، بل شملت بناء قاعدة صناعية متكاملة، من خلال التوسع في الصناعات البتروكيماوية والأسمدة، وتعزيز صناعات الحديد والصلب والألمنيوم، وإنشاء صناعات تحويلية تعتمد على الغاز الطبيعي لإنتاج منتجات ذات قيمة مضافة، بما جسّد فلسفة تقوم على تعظيم الاستفادة من الثروات الوطنية.
وامتدت النهضة إلى مختلف القطاعات، مع إطلاق رؤية قطر الوطنية 2030، وإنشاء جهاز قطر للاستثمار الذي أصبح أحد أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم، وتطوير البنية التحتية والطرق والموانئ، وإطلاق مشروع مطار حمد الدولي، وإنشاء المدينة التعليمية والمؤسسات البحثية والعلمية والصحية، لتغدو قطر نموذجاً في التنمية المستدامة والاقتصاد القائم على المعرفة.
واليوم، وأنا أستعيد تلك المحطات التي واكبتها بقلمي، أدرك أنني لم أكن أغطي مجرد مشروعات اقتصادية، بل كنت أوثق فصولاً من قصة وطن آمن بقيادته ورؤيته، فكتب اسمه بين الدول الأكثر تأثيراً في قطاع الطاقة والتنمية، وترك في قلوب محبيه أثراً لا يمحوه الزمن.
وأشعر بأنني محظوظة لأنني كنت شاهدة على مسيرة النهضة التي قادها الأمير الوالد، وواكبت أبرز محطاتها الاقتصادية والاستراتيجية، ورأيت كيف تحولت الأحلام إلى واقع، والرؤية إلى إنجازات وضعت قطر في مكانة عالمية مرموقة.
بغيابك، فقدت قطر أباً وقائداً استثنائياً وباني نهضتها الحديثة، كما فقد لبنان صديقاً وفياً لم يتأخر يوماً عن مد يد العون في الأزمات والمحن. وستبقى مواقفك تجاه لبنان، ودعمك لإعادة الإعمار، وجهودك في جمع اللبنانيين على الحوار، شاهدة على إرث إنساني وسياسي كبير لن يُنسى.
رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فقد ترك إرثاً يؤكد أن الرؤية الاستراتيجية، حين تقترن بالإرادة والقيادة الحكيمة، قادرة على صناعة مستقبل يتجاوز أثره حدود الجغرافيا والزمن. سمو الأمير الوالد سيبقى اسمك محفوراً في ذاكرة قطر، وفي قلوب كل من عرفك قائداً وإنساناً وستواصل دولة قطر مسيرة النهضة التي أرسيت دعائمها في ظل القيادة الحكيمة لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، الذي يمضي بثبات على النهج ذاته، معززاً مكانة قطر إقليمياً ودولياً، ومواصلاً مسيرة التنمية والازدهار والريادة في مختلف المجالات.
